سبق أن تحدثنا عن تعريف الفقه عند الأصوليين، وسنعرض هنا لتعريفه عند الفقهاء؛ لأن كلًا منهم نظرَ إليه من جهة العلم القائم؛ لأنه لما كانت نظرة الأصوليين إلى الدليل واستنباط المسائل من النصوص عرَّفوا الفقه بما يناسب ذلك من العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية.
ولما كانت نظرة الفقهاء إلى بيان حكم فعل المكلف من الحلّ والحرمة بغض النظر عن الدليل اهتموا بتعريف الفقه من هذه الحيثية، ومن ذلك:
تعريف ابن خلدون (1) : معرفة أحكام الله - جل جلاله - في أفعال المكلّفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة.
وتعريف أبي سعيد الخادمي (2) : بأنه علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِحة.
وأطلقه بعضُهم الفقه على: حِفظ جملة من الفروع (3) .
ويطلق عليه آخرون: مجموعة من الفروع (4) .
فمن خلال هذه التعاريف للفقهاء، وبعد الاطلاع السابق للفقه عند الأصوليين تظهر الفروق التالية بين علم الفقه وعلم الأصول، ومنها:
إن الأصول مستمدة من علم الكلام واللغة والأحكام كما سيأتي، بخلاف علم الفقه فإنه مباحثه مستمدة من الأدلة الشرعية كالكتاب والسنة والقياس وأفعال المكلفين وما يصدر عنهم من تصرفات، باعتبارها المادة التي يبحث لها عن أحكام.
إن الغاية من الأصول إجمالًا هي معرفة الأحكام من أدلتها التفصيلية كما سيأتي، أما الفقه فغايته الفوز بسعادة الدارين باتباع الأوامر واجتناب النواهي، والفوز برضا الله - جل جلاله - بالامتثال والعلم.
(1) في المقدمةص312.
(2) في حاشيته على الدرر ص3.
(3) ينظر: الدر المختار 1: 26-27، وفيه: وعند أَهل الحقيقة الجمع بين العلمِ والعمل، لِقول الحسن البصريّ: إنَّما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة، البصير بعيوب نفسهِ.
(4) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 55.