الإخبار عن الرضا بذلك طوعًا؛ لأنه أمر باطن لا يعرف إلا بسبب ظاهر دال عليه وهو الخبر عنه طوعًا.
انتشار قول واشتهاره فيهم ولم يوجد من أهل الاجتهاد من يرد ذلك وينكر عليهم في حال التقية؛ لأن إظهار الرضا في حال التقي وترك الإنكار والرد أمر معتاد، بل أمر مشروع فلا يدل على الرضا، فلهذا شرطنا مع السكوت وترك الإنكار زوال التقية (1) .
وهذا الإجماع السكوتي من الأدلة القطعية عند أكثر الحنفية، وإنما لا يكفر جاحده؛ لما فيه من توهم الشبهة (2) ، لكن ذكر الإمام الأصولي علاء الدين السمرقندي أن الإجماع السكوتي الحاصل بالرضا والواصل إلينا بالخبر مما لا خلاف فيه، فقال (3) : (( لا خلاف في وجود الإجماع وانعقاده بالقول والفعل والرضى بطريق الخبر ) )بخلاف الرضا بالسكوت بعد انتشار الخبر واشتهاره مع زوال التقية هل يكون إجماعًا.
ودليل الإجماع السكوتي:
إنه كان رخصة؛ لأنه جعل إجماعًا ضرورة؛ لما فيه من نفي نسبة مجتهدي الأمة إلى الفسق والتقصير في أمر الدين، فلو لم يثبت الإجماع بهذا يلزم تفسيق بعض الصحابة - رضي الله عنهم -، وهو منتف؛ لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس في موضع الحاجة.
إنه لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من الكل؛ لأدى ذلك إلى تعذر انعقاده؛ لأن الوقوف على قول كل واحد منهم في حكم حادثة حرج بيّن، فينبغي أن يجعل اشتهار الفتوى والسكوت من الباقين كافيًا في انعقاد الإجماع (4) .
(1) ينظر: ميزان الأصول 2: 739، وغيره.
(2) وقال بحجيته أحمد وبعض من الشافعية، وعند الشافعي وأكثر من تبعه ليس بحجة، وبه قال عيسى بن أبان من الحنفية، والقاضي أبو بكر الباقلاني من الأشعرية وبعض المعتزلة وداود الظاهري، ينظر: حاشية الرهاوي ص837، وفتح الغفار بشرح المنار 3: 3-4، ومكانة الإجماع وحجيته ص 66.
(3) في ميزان الأصول 2: 739.
(4) ينظر: شرح ابن ملك على المنار ص738، والكافي شرح البزدوي 4: 1597، وغيرها.