المطلب الثالث: شروط القياس:
الأول: أن لا يكون الأصل مخصوصًا: أي بسبب آخر يدل على اختصاص المقيس عليه بحكمه، بأن لا يكون المقيس عليه كخزيمة - رضي الله عنه - مثلًا مقصورًا عليه حكمه بنص (1) آخر؛ إذ لو كان حكمه مقصورًا عليه بالنص فكيف يقاس عليه غيره.
فينبغي أن لا يقاس عليه غيره ممن هو أعلى حالًا منه كالخلفاء الراشدين؛ إذ تبطل حينئذ كرامة اختصاصه بهذا الحكم.
وبيان ذلك: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاع فرسًا من أعرابي فاستتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاعه فنادى الأعرابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس، ولا بعته، فقام النبي حين سمع نداء الأعرابي فقال: أوليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: بلى قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا! فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خزيمة. فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة بشهادة رجلين) (2) .
فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة كشهادة رجلين كرامة وتفضيلًا على غيره مع أن النصوص أوجبت اشتراط العدد من رجلين أو رجل وامرأتين في حق العامة فلا يقاس عليه غيره (3) .
ومن أمثلة هذا الشرط أيضًا:
(1) المراد بالنص هاهنا الدليل من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام كتابًا كان أو سنة أو إجماعًا. ينظر: قمر الأقمار 2: 127.
(2) في سنن أبي داود 3: 331، ومسند أحمد 5: 215، والمستدرك 2: 21، وصححه، وسنن النسائي الكبرى 4: 48، والمعجم الكبير 22: 379، وغيرها.
(3) ينظر: نور الأنوار 2: 127-129، وغيره.