ومثالها: إن الكفار إذا تترسوا بالأسرى المسلمين، وكان بحيث لو كففنا عنهم لغلبونا على دار الإسلام وقتلوا أهلها أو الجيش ويقتلون الأسرى أيضًا، ولو رميناهم لقتلنا الأسرى الذين لم يذنبوا وهم معصومو الدم ولا دليل في الشرع يبيحه فيجوز أن يقول قائل الأسرى مقتولون على كل حال، فحفظ أهل القطر أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا أن قصده تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، وحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل، فهي مصلحة لم يكن بالضرورة أنها مقصود الشرع لا بأصل واحد معيّن، بل بأدلة خارجة عن الحصر مع أن تحصيلها بهذه الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، لكنها توفرت فيها شروط ضرورية وقطعية وكلية لأهل القطر كله، فيعمل بها قطعًا (1) .
قال الدكتور البوطي (2) : (( وعمل الإمام مالك - رضي الله عنه - بالمصلحة إذا لم يعارضها نص من كتاب أو سنة ولا أصل من الأصول الشرعية الثابتة ) ).
خامسًا: دعوى الاعتماد على المصلحة العقلية:
إن المتابع للمجتهدين الجدد في كتاباتهم وكلامهم يجد أنهم يدورون في التحليل والتحريم على حسب ما تمليه عليهم عقولهم، فيعللون ما يذهبون إليه من اختيارات واجتهادات إلى أن المصلحة تقتضيه، وهم بذلك يريدون بناء الأحكام على المصلحة الدنيوية، وهي لا اعتبار لها أصلًا في نظر المسلم عند مخالفتها للنص الشرعي؛ إذ العقل كثيرًا ما يظن المفسدة بخلاف الشرع.
(1) ينظر: الفكر السامي 2: 155-154، وغيرها.
(2) في ضوابط المصلحة ص190.