والقول بأن إجراء ذلك في المعاملات دون العبادات باعتبار أن العبادات حقّ للشارع، والمعاملات إنما وضعت أحكامها لمصالح العباد وكانت المعتبر فيها، فهذا فرق بدون فارق؛ لأن الله سبحانه له أن يأمر بما شاء فيما شاء من غير فارق بين أن يكون أمره في العبادات أو المعاملات، وهو الذي أباح أنواعًا من البيوع بشروط وقيود، وحرم أنواعًا منها، ودونك أحكام الربا والسلم والإجارة والمزارعة والشركة والعقوبات حدد لها حدودًا ورسم لها شروطًا وقيودًا، وهكذا سائر أبواب الفقه، إذا راج هذا الرأي المنكر من دعاته، فإنها ستسري خديعته في الأبواب كلها، ويكون شرع الله - جل جلاله - أثرًا بعد عين، ولكن أبى الله - عز وجل - إلا أن يتم نوره (1) .
قال الإمام الكوثري (2) : (( ومَن الذي ينطق لسانه بأن المصلحة قد تعارض حجج الله - عز وجل - من الكتاب والسنة والإجماع؟ والقول بذلك قول بأن الله - جل جلاله - لا يعلم مصالح عباده، فكأن هذه القائل يرى أنه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير - جل جلاله - حتى يتصور معارضة مصالحهم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله المبلغة على لسان رسوله ـ سبحانك هذا إلحاد أقرع ـ.
ومَن أعار سمعًا لمثل هذا التقول لا يكون له نصيب من العلم، ولا من العزّة القومية...، وليست تلك الكلمة غلطة من عالم حسن النية تحتمل التأويل، بل فتنة فتح بابها قاصد شر، ومثير فتن )) .
ونقض هذه الدعوى فيما يلي:
(1) ينظر: المقالات ص344-345.
(2) في مقالة رأي النجم الطوفي في المصلحة ص345.