أولًا: إن من المعلوم لدى كل عاقل أن الذهن البشري محدود القدرات، فإحاطته بالأمور إحاطةً تامةً غير متيسرة، وإلا لما احتجنا إلى الشريعة السماوية لتنظيم أمور حياتنا، فخالق هذا العقل أنزل له شريعة يسترشد بها في دنياه، وتوصله إلى السعادة في أخراه، فإذا اعتمدنا في بيان الأحكام الشرعية على عقلنا، وما يرشدنا له من خير، لم يعد بيننا وبين أهل القوانين الوضعية فرق؛ لأنهم استرشدوا بعقولهم لبيان ما يصلح حياتهم وسنِّ قوانين تنظمها، فكان ما نرى في عالمنا من الويلات في مختلف البلاد.
لكننا نحن المسلمون نرى أن المصلحة الحقيقية هي المصلحة التي يراها الشارع وإن خالفت المصلحة العقلية؛ لأننا نعتقد أن شريعتنا من خالق العقل وكل شيء، وهو يعلم علمًا أزليًا ما يصلح حياتنا، وما فيه خيرنا، فدينه حقّ وخير، بخلاف العقل فإنه كثيرًا ما يتوهم مصالح، وتكون العاقبة مفسدة.
وهذا ليس إهمالًا منا لمكانة العقل وأهميته وإنما إنزال لكلّ شيء في مكانه، فالتشريع حقّ الله - جل جلاله - لا غير، والعقل الشرعي المتزن بضوابط الشريعة وظيفته استفراغ جهده وقدرته في بيان مراد الله - عز وجل - ومقصده، وهذه هي المصلحة الشرعية، لا أن يتصور لنا مصلحة عقلية متوهمة، فهذا تشريع بشري مرفوض عند كل مسلم حريص على دينه.