الصفحة 193 من 302

قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (1) : (( وأحكام الشرع لا تنتهي عجائب أسرارها في الإصلاح، وليست هي كأحكام العقول الخاطئة، وهاهي الدولة الإسلامية لم تسعد دولة منها إلا بمقدار تمسكها بأهداب الشرع، ولا شقيت إلا بنسبة ابتعادها عن أحكام الشرع، ولنا ألف دليل ودليل على ذلك في التاريخ الإسلامي، وقد نطق علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بكلمة حكيمة جدًا حيث قال: (( ما ترك الناس شيئًا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضرّ منه ) ) (2) ، وهي حقيقة ملموسة في جميع أدوار التاريخ، وقد صدق الشاعر الذي قال لعبد الملك بن مروان:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

ومثل هذا الممزق الموقع مثل من يمزق سراويله الساترة لسوءته؛ لترقيع موضع من جبته )) .

وزبدة الكلام في المصلحة أن الذي ينطلق لسانه بأن المصلحة تعارض حجج الله من الكتاب والسنة والإجماع؟ كمن يقول: بأن الله لا يعلم مصالح عباده، فكأن هذا القائل يرى أنه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير - جل جلاله - حتى يتصور معارضة مصالحهم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله المبلغة على لسان رسوله، سبحانه هذا إلحاد أقرع (3) .

ثانيًا: إن جعل المصلحة العقلية المتوهمة أصلًا شرعيًا لم ينطق به أحد معتد به من علماء هذه الأمة على مرّ التاريخ الإسلامي الحافل؛ لأن من ملأ الإيمان وثقته بالله قلبه، لم يخطر بباله أن يقدم عقله وتفكيره على شرع الله، وإنما يستفرغه في خدم هذا الدين وفهمه.

(1) في مقالة شرع الله ص183-184.

(2) ينظر: الكشكول للعاملي ص2448، والتذكرة الحمدونية ص6567، ولكنهم جعلوها حديثًا مرفوعًا.

(3) ينظر: مقالات الكوثري ص315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت