وذكر بعض شيوخنا عمَّن حدثه أنه كان يظهر التوبة ويتبرأ من الرفض، وهو محبوس، وهذا نفاقه، فإنّه لما جاور في آخر عمره بالمدينة صحب السكاكيني شيخ الرافضة، ونظم ما يتضمّن السبّ لأبي بكر - رضي الله عنه -، ذكر ذلك عنه المطري حافظ المدينة ومؤرخها اهـ، راجع ترجمته من (( طبقات ابن رجب ) )و (( الدرر الكامنة ) )و (( شذرات الذهب ) )، أفمثل هذا يتخذ قدوة في مثل هذا التأصيل الذي يرمى إلى استئصال الشرع، ولا يغترن القارئ الكريم بتلقيب بعض المهملين إيّاه بالإمام النجم الطوفي، فإنّنا في زمن نرى مَن لا يصلح أن يكون إمامًا في مسجد حارته يلقب بالإمام الحجّة، وإلى الله عاقبة الأمر كله )) .
ثالثًا: اتفاق العلماء على أن الله - جل جلاله - هو الحاكم، وأنه المشرع للأحكام الشرعية نصًا كانت أو استنباطًا، وفعل المجتهد هو بيان مراد الشارع فحسب، أما اعتماد غيرها في أحكام الشرع فلضعف الثقة به، وبسبب الغزو الفكري الذي نتعرض له.
فبعد أن خاض الصليبيون حروبًا عديدةً ضدّ هذا الدين الحنيف والبلاد التي يقطنها إلا أنها باءت بالفشل الذريع، لكنّهم أخذوا عبرةً منها أن قوّة هذه الأمة بدينها وبالتزام شرعها، فإذا أرادوا الانتصار عليها، لا بُدّ أن يضعفوا تمسّكها بإسلامها، ويفسدوا عليها دينها.
وسلكوا لتحقيق هذا المراد حربًا من نوع جديد تسمّى بالغزو الفكري، جيَّشوا لها آلاف المستشرقين من مختلف بلادهم، درسوا هذا الدين الحنيف، وأخذوا يدسّون على المسلمين فيها بدعاوٍ عديدة اخترعوها، تحمل شعارات براقة وكلمات جذّابة، انطوت على الكثير من الناس.
ولأننا نعيش في هذا الزمان في هزيمة نفسية قبل أن تكون هزيمة مادية بالتكنولوجيا والسلاح، فإننا نرى كلّ ما عند أعدائنا هو الحق والصواب، وكل ما يقولوه هو الخير والرشاد، وأن كلّ ما عندنا بالٍ لا يصلح للحياة والعمل، ويتنافى مع الرقي والتقدم والعصر.