إلغاء عمر - رضي الله عنه - لسهم المؤلفة قلوبهم، قال - جل جلاله: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (1) ؛ لأن الله - جل جلاله - أناط الزكاة بثماني فئات من الناس منهم الذي تتألف قلوبهم من الداخلين حديثًا في الإسلام؛ لما فيه من استجلاب لقلوبهم، فعنى: { وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } : أي الذين تستجلبون قلوبهم بالألفة والمودّة، فاستجلاب قلوبهم ليس حكمًا ثابتًا بالشرع، وإنما هو مناط لحكم علقه الله عليه، فكلما تحقق هذا المناط تحقق الحكم المتعلق به، وهو إعطاؤهم من الزكاة، وكلما فقد سقط ما علّق عليه، فوصف التعليق للقلب شأنه كوصف الفقر والعمل على جمع الزكاة والجهاد في سبيل الله في أنها هي مناط استحقاق الزكاة في تلك الأصناف لا أعيانهم المجردة.
فكان اجتهاد سيدنا عمر - رضي الله عنه - معلقًا بتحقيق المناط ، فقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى القمة في القوة والمنعة (2) في جميع مناحيه حتى صار فخرًا لمن ينتسب إليه، فعزّته بالإسلام الذي خيم على الأرض فيه استجلاب لقلبه أكثر ممّا سيقدّم له من مال، فلم يعد لدفع المال لهم من الزكاة حاجة.
إذ انعدم الحكم لعدم المعنى الداعي إليه لا بالناسخ؛ فانتهاء شرعية إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة بانتهاء سببه، وهو ضعف المسلمين وحصول إعزاز الدين به، فإن تأليفهم على الإسلام بإعطاء المال ودفع أذاهم عن المسلمين به كان إعزازًا للدين في ذلك الزمان فلمّا قوي أمر الإسلام كان إعطاؤهم دنية في الدين لا إعزازًا له فانتهى بانتهاء سببه (3) .
(1) التوبة:60.
(2) ينظر: ضوابط المصلحة ص143-144، وغيره.
(3) ينظر: كشف الأسرار 3: 167، وغيره.