عدم قطع عمر - رضي الله عنه - يد السارق عام المجاعة، قال - جل جلاله: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } (1) ؛ لأن هذه الآية من قبيل العام الذي له مخصصاته كأن يبلغ النصاب المقدر للقطع عليه، وأن يكون المكان المأخوذ منه خفية، وأن لا يكون في المال شبهة حقّ للسارق، فالتمسك بظاهر الآية وحدها دون النظر إلى ما يتعلق بها من مخصصات ومبينات في السنة الصحيحة إنما هو تنكب عن جملة الدليل كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) (2) ، وبلفظ: (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة) (3) ، وبلفظ: (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (4) .
فما فعله عمر - رضي الله عنه - هو إيقاف الحد لوجود الشبهة وهي المجاعة؛ لأن للمضطر أن يأخذ من مال غيره ما يسد ضرورته ولو من دون إذنه (5) ، وفي القاعدة المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات (6) .
قتل عمر - رضي الله عنه - الجماعة بالواحد، قال - جل جلاله: { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } (7) ؛ فهي إنكار ما كان عليه العرب في جاهليتهم إذ كانوا يأخذون البريء بظلم القاتل عندما يقدمون على الثأر لمن قتل منهم إمعانًا في التشفي والتعاظم، فهي ليست نصًّا في عدم قتل الجماعة بالواحد.
(1) المائدة: من الآية38.
(2) في جامع مسانيد أبي حنيفة2: 182.
(3) في سنن البيهقي الكبير 8: 238.
(4) في سنن ابن ماجة 2: 850، وتمام الكلام في ألفاظه وطرقه وحكمها في كشف الخفاء 1: 73-74، والدراية 1: 94، وغيرهما.
(5) ينظر: ضوابط المصلحة ص145-147، وغيره.
(6) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص103-104، وغيره.
(7) البقرة: من الآية178.