أما قوله - جل جلاله: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } (1) ؛ فهي تتحدث عن شريعة موسى - عليه السلام -، وهي ليست في صدد نفي قتل الجماعة بالواحد أو إثباته، وإنما هي بصدد تعداد أنواع القصاص، وهي: النفس والعين والأذن…
فالعلّة في الآيتين هي القصاص بالقتل على قتل مثله، فتقتل النفس بقتل النفس ويقتل الحرّ بقتل الحرّ، ومما لا ريب فيه أن كل واحد من الجماعة اشترك في قتل الواحد، فقام بالفعل المزهق للروح، فيكون النصّ دالًا على أن الجماعة تقتل بالواحد بحكم تنصيصها على العلة وبحكم وجود العلّة كاملة في كلّ من أفراد الجماعة على حدة (2) .
وقد عرض الدكتور البوطي (3) هذه المسائل، وناقشهم فيها، وبيَّن وهمهم في ذلك، وإنما هي دليل على شدة تمسكه بالكتاب والسنة، ولكن المراعاة الدقيقة للنص قد تبدوا لمن لا دقة لديه في فهمه أنها مخالفة لها.
وإذا اتضح معنى المصلحة وخصائصها وضوابطها والمعتبر منها في الشرع والقائلين بالمصلحة غير الشرعية والردّ عليهم يرتفع ما يكون في الذهن عالقًا من الاحتجاج بها في مورد النصّ في مختلف مسائل الفقه، ويتبيَّن زيف ما يدَّعى من المصلحة في ذلك، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أحرص الناس على المسلمين واستقامة حياتهم يوقع الطلاق الثلاث ثلاثًا بالاتفاق، فلو كانت هناك مصلحة في إيقاع الثلاث واحدًا، فهل يعقل أن يتركَه ويسعى إلى خراب بيوت المؤمنين كما يدّعى من يقول أن الطلاق الثلاث فيه ذلك.
(1) المائدة: من الآية45.
(2) ينظر: ضوابط المصلحة ص149-150 باختصار.
(3) في ضوابط المصلحة ص140-160.