الصفحة 208 من 302

حدوث معاملات جديدة تحتاج إلى بيان أحكام. كما (( نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رضي الله عنه - أنه قال: يحدث للناس في كل زمان من الأحكام ما يناسبهم، وقد يتأيد هذا بما في البُخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (( لو علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أحدثته النساء بعده لمنعهنّ من المساجد ) )، وقول عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه: يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور: أي يجددون أسبابًا يقضي الشرع فيها أمورًا لم تكن قبل ذلك؛ لأجل عدمه منها قبل ذلك، لا لأنها شرع مجدد.

فلا نقول: إن الأحكام تتغير بتغير الزمان، بل باختلاف الصورة الحادثة. وقال الشيخ نجم الدين البالسي: وكنت أنفر من هذا القول، وأعلل فساده بأن صاحب الشرع شرع شرعا مستمرًا إلى قيام الساعة مع علمه بفساد الأمر فيهم. ثم رأيت في (( النهاية ) )قد قرر ما في نفسي، فقال قدس الله روحه: لو كانت قضايا الشرع تختلف باختلاف الناس وتناسخ العصور لانحل رباط الشرع )) (1) .

قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (2) : (( وأما تخيل تغير الأحكام باختلاف الزمن مطلقًا بدون نظر إلى ما قرره الفقهاء فتنزيل لشرع الله منزلة الأحكام الوضعية، وذلك مما يأباه أهل الدين... ) ).

سادسًا: كيفية معالجة المسائل المتجددة بتغير العرف والزمان:

إن تلبيةَ حاجة العصر فيما يستجد من مسائل لا بدّ فيه من دراسة الفقه الإسلامي كلّ ضمن مذهبه وأصوله، بتتبع مسائله وفروعه المختلفة وضبطها، ومن ثم يمكن تفريع وتخريج ما استجد من مسائل عليها، وهذه هي أقوم طريق لذلك، دون ارتباك ولا تخبط، وهي طريق ساداتنا من السلف والخلف؛ إذ لا بدّ له من ضبط مسائل الفقهاء والأصول والقواعد التي بُنيت عليها.

(1) ينظر: البحر المحيط 1: 219-220، وغيره.

(2) في مقالة الدين والفقه ص180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت