وإن هذا التخبط العجيب فيما يجد من مسائل عصرية يسعى بعضهم في استخراج أحكام لها من الكتاب والسنة دون مراجعة ومعرفة بكتب الفقه والأصول، أو بالاطلاع العام على أمهات المسائل في المذاهب دون ضبط لها، ولا معرفة لعلتها، أو عدم فهم لعبارة الكتب ومقصود مؤلفيها هو الذي أوصلنا إلى هذا الحال.
فإن إنزال حال عصرنا وما جدّ فيه من أمور على عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل يتيهون لما بين العصرين من تفاوت كبير، فترى كل مفتٍ متعلق بظاهر لفظ ورد لا تعلق له بهذه المسألة العصرية، أو أنه محكم لعقله في تشريع حكم شرعي، وكلا الحالين تلاعب بشرع الله - جل جلاله -.
ونلاحظ من البعض الآخر المشتغلين في الفقه المقارن يحاول أن يجمع صورة من المذاهب المختلفة للوكالة مثلًا بأن يضع شروط المذاهب مجتمعة مع بعضها البعض، فيخرج بهيئة للوكالة لم يقل بها أحد، ثم يحاول أن يقيس ما طرأ من الوكالة العصرية عليها، فيلغي ما شاء من الشروط ويضيف ما شاء على حسب ما يقتضيه عقله؛ ليوافق هذه الصورة الجديدة للوكالة، وهكذا.
وإن كلا الطريقين غير دقيق في معرفة الحكم للمسائل المستجدة، وإنما على مَن أراد أن يتصدى لذلك أن يضبط مذهب بعينه، فيتتبع مسائله في كتبه المختلفة المتعلقة بهذا الأمر المستجد، حتى إذا وصل إلى الضابط الذي بنيت عليها تلك الفروع، استطاع أن يعرف حكم هذه المسألة المستجدة.
فعلماء المذاهب المتمكنين في هذا العصر وغيره لا يوجد لديهم مشكلة في بيان حكم الله - جل جلاله - فيما يستجد من مسائل؛ لضبطهم الفقه وأصولهم، ومعرفتهم بكيفية بناء الأحكام عليها، وهم ما زالوا عبر القرون يوفون حاجات الناس فيما يجد في حياتهم من مسائل، وكتب الفتاوى طافحة بذلك؛ لأنهم يسيرون ضمن منهج درسوه وتناقلوه جيلًا بعد جيل.