الصفحة 211 من 302

وليس العرف في قوله - جل جلاله: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (1) . بمعنى العادة الجارية هنا وهناك، بل هو الحكم المعروف الذي لا ينكره الشرع، ولا يستقبحه، بل يراعيه ويستحسنه العقل، يوصي الله سبحانه في الآية المذكورة بالتسامح مع الناس في المعاملة الشخصية معهم، والمجاهرة بحكم الله ي غير هوادة، وترك الالتفات إلى من يحاول إيصال الأذى في هذا السبيل.

فمَن فَسَّرَ العرف هنا بالعادة: فقد فسَّرَ بالرأي بدون مدرك لا في الرواية ولا في الدراية، وإنما عرف العرف بمعنى العادة بعد زمن الوحي، كما لا يجهل ذلك أهل العلم بأطوار اللغة، فلا يتصور حل الربا ولا المتعة ولا حرمة تعدد الزوجات، ولا إباحة الخمر ـ إذا سميت شايًا باردًا ـ ولا استساغة السفور والتبرج.... إلى ما لا آخر له من التهوسات المرذولة بدعوى تغير الأحوال الاجتماعية، وتغير الأزمان وتغير العرف والمصلحة.

ولا يصلح العرف عند أهل العلم أن يكون مخصصًا للقياس، أو الأثر، إلا إذا كان عامًا متوارثًا فضلًا عن أن يكون قاضيًا على النص، وأما الخاص فإنما يثبت به الحكم الخاص ما لم يخالف القياس والأثر، فلا يصلح أن يكون مخصصًا لهما، وأما المصلحة فلا اعتداد بها عند مخالفتها النص عند أهل الحق...

فمن حاول نسخ حكم من أحكام الشرع بإقامة غيره مقامه حاول بعمله هذا أن يفضل عقله على علم الله سبحانه حيث عدّ رأيه أصلح من شرع الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يسوغ لمسلم غير مغلوب على أمره أن يستبدل ببعض أحكامه إلا في حالة إكراه تبيح النطق بالكفر، ولا أن يرضى به بديلًا فيه من الأحوال، ومن ضاق صدره من شرع المسلمين حيث يعده غير صالح للزمن الذي هو فيه، لا يكون من الإسلام على شيء...

(1) الأعراف:199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت