أن لا تكون رخصة أولى وأحقّ من الآخر، وهو ما استبيح مع قيام المحرم دون الحرمة: كإفطار المسافر، فإن المحرم للإفطار، وهو شهود الشهر قائم، لكن حرمة الإفطار غير قائمة رخص بناءً على سبب تراخي حكمه، فالسبب شهود الشهر: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه } (1) ، والحكم وجوب الصوم، وقد تراخى لقوله - جل جلاله: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (2) ، والعزيمة أولى لقيام السبب، قال - صلى الله عليه وسلم: (مَن أفطر فرخصة، ومَن صام فالصوم أفضل) (3) ؛ ولأن في العزيمة نوع يسر لموافقة المسلمين إلا أن يضعفَه الصوم الصائم، فليس له بذل نفسه؛ لأنه يصير قاتل نفسه (4) .
والفرق بين هذا وما سبق ببذل النفس: أن الوجوب مع رخصة الترك في المسافر كان ثابتًا قبل إضعاف النفس، فلا بد وأن يكون للإضعاف حكمًا آخر لم يكن ثابتًا قبله، وليس ذلك إلا إسقاط الوجوب رأسًا، وإثبات الإباحة المطلقة، وأما في إجراء كلمة الكفر وما شابهها فإنه من أسباب الرخصة، فكان أثره في إثبات رخصة التلفظ لا في إسقاط حرمة الكفر، فكان حقّ الله - جل جلاله - قائمًا، وكان في الامتناع باذلًا نفسه لإقامة حق الله - جل جلاله - فكان أفضل (5) .
(1) البقرة: من الآية185.
(2) البقرة: من الآية184.
(3) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 280، والأحاديث المختارة 6: 291، وقال الضياء المقدسي: إسناده صحيح.
(4) ينظر: التنقيح والتوضيح 2: 255-256.
(5) ينظر: بدائع الصنائع 2: 97.