وإنما كان الأول أحق بكونه رخصة من الثاني؛ لأن في الثاني وجد السبب للصوم لكن حكمه متراخ، فصار رمضان في حقّه كشعبان، فيكون في الإفطار شبهة كونه حكمًا أصليًا في حق المسافر، بخلاف الأول، فإن المحرم والحرمة قائمان، فالحكمُ الأصلي فيه الحرمة، وليس فيه شبهة كون استباحة الكفر حكمًا أصليًا، فيكون الأول أحقّ بكونه رخصة (1) .
ما يطلق عليه الرخصة مجازًا، وله جهتان:
أن لا يكون أقرب إلى الحقيقة، بل أتم في المجازية وأبعد عن الحقيقة من الآخر، وهو ما وضع عنّا من الإصر (2) والأغلال يُسمّى رخصةً مجازًا؛ لأن الأصل لم يبق مشروعًا أصلًا (3) ، وعرفه بعضهم (4) : (( هو فيما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي دلّ عليها قوله - جل جلاله: { رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } (5) ، وقوله - جل جلاله: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } (6) ))، ومن أمثلته:
اشتراط قتل النفس في صحة التوبة والقصاص في القتل العمد والخطأ، وقطع موضع النجاسة من الثوب (7) ، وعدم جواز الصلاة في غير المسجد، قال - صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا) (8) ، وغير ذلك من التكاليف التي كانت واجبة في الشرائع السالفة، فمن حيث أنها كانت واجبة على غيرنا ولم تجب علينا كانت توسعة وتخفيفًا، فأشبهت الرخصة وسميت بها (9) .
(1) ينظر: التوضيح 2: 257.
(2) وهو الثقل الذي يأصر صاحبه أن يحبسه من الحراك إنما جعل مثلًا لثقل تكليفهم وصعوبته. ينظر: التلويح 2: 255.
(3) ينظر: التنقيح والتوضيح 2: 257-258.
(4) أي شاكر بك في أصول الفقه الإسلامي ص362.
(5) البقرة: من الآية286.
(6) الأعراف: من الآية157.
(7) ينظر: عون المعبود 11: 241، وتحفة الأحوذي 8: 270.
(8) في سنن أبي داود 1: 186، ومسند أحمد 3: 304.
(9) ينظر: التلويح 2: 257-258.