وهذا موافق لما نقل عن مسروق - رضي الله عنه - قال: (( شافهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - ) ) (1) .
فهؤلاء المجتهدون من الصحابة - رضي الله عنهم - كانت لهم مناهج الواضحة في الاجتهاد، وهي المسمّاة بأصول الفقه؛ لأن من المعروف أن قواعد علم أصول الفقه ومناهجه مستقرَّة في نفس كلِّ مجتهد وإن لم يصرحوا بها ويدونونها، وكانوا يعملون بالأصول وإن لم يعلنوا ذلك، ومن الأمثلة على الأصول التي استندوا لها في اجتهاداتهم:
مراتب الأدلة في استخراج الأحكام، فيقدم الكتاب على السنة، والسنة على اجتهاد العلماء، واجتهاد العلماء على اجتهاد نفسه، قال ابن مسعود - رضي الله عنه: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله - جل جلاله - قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إنّي أخاف وإنّي أخاف، فإن الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك (2) .
(1) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص26، وغيرها.
(2) في سنن النسائي 3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيد جيد، والمجتبى 8: 230.