أنه بجميع أقسامه أنه لا ينافي الخطاب والأهلية؛ لبقاء العقل والبلوغ الذي عليه مدار الخطاب والأهلية، فهو متردد بين فرض وحظر وإباحة ورخصة، إذ في بعض المقام العمل به فرض كأكل الميتة إذا أكره عليه بما يوجب الإلجاء، ولو صبر حتى يموت عوقب عليه؛ لأنه ألقى نفسه إلى التهلكة، وفي بعضه العمل به حرام كالزنا وقتل النفس المعصومة، فإنه يحرم فعلهما عند الإكراه الملجئ، وفي بعضه العلم به مباح كالإفطار في الصوم فإنه إذا أكره عليه يباح له الفطر، وفي بعضه العمل به رخصة كإجراء كلمة الكفر على لسانه إذا أكره عليه يرخص له ذلك بشرط أن يكون القلب مطمئنًا بالتصديق.
أنه لا ينافي الإكراه اختيار المكَره لكن الاختيار فاسد، فإذا عارضه اختيار صحيح، وهو اختيار المكِره وجب ترجيح الصحيح على الفاسد إن أمكن كما في الإكراه على القتل وإتلاف المال حيث يصلح المكَره أن يكون آلة للمكِره فيضاف بالفعل إلى المكِره ويلزمه حكمه، وإن لم يمكن نسبة الفعل إلى المكِره كما في الأقوال وفي بعض الأفعال بقي منسوبًا إلى الاختيار الفاسد، وهو اختيار المكَره فجعل المكره مؤاخذًا بفعله، ويتفرع على ذلك:
في الأقوال لا يصلح أن يكون المكَره آلة لغيره؛ لأن التكلّمَ بلسان الغير لا يتصوَّر، فاقتصر حكم القول على المكَره، وله حكمان:
إن كان القولُ ممّا لا ينفسخ ولا يتوقف على الرضا لم يبطل بالكره: كالطلاق والعتاق والنكاح والرجعة والتدبير والعفو عن دم العمد واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء القولي فيه والإسلام، فإن هذه التصرفات كلها لا تحتمل الفسخ ولا تتوقف على الرضا فلو أكره بها أحد وتكلّ بها لم يبطل بالكره، وتنفذ على المكَره.
إن كان القولُ ممّا يحتمل الفسخ، ويتوقَّفُ على الرضا: كالبيع ونحوه، فإنه يقتصر على المباشر، وهو المكَره إلا أنه يفسد لعدم الرضا، فينعقد البيع فاسدًا، ولو أجازه بعد زوال الإكراه يصح؛ لأن المفسد زال بالإجازة.