قال الدكتور بلتاجي (1) : (( إن أحكام الصحابة - رضي الله عنهم - لم تكن قائمة على مجرد الهوى، وإنما قامت على أصول وقواعد قيَّدوا بها أنفسهم فلم يخرجوا عن حدودها، بدليل اتحاد أحكام المسائل عند تساويها في المناط أو الحكمة، وليس يلزم من عدم نقل تلك الأصول والقواعد أنها لم تكن مستقرة في نفوسهم ملحوظة عند استنباطهم ) ).
المطلب الثالث: أصول الفقه في عصر التابعين - رضي الله عنهم:
إن ما تلقاه الصحابة - رضي الله عنهم - من مشكاة النبوة من فقه وحديث وأصول وغيرها نقلوه إلى التابعين، فاستمر صرح الفقه وأصوله بالاكتمال والظهور حتى صار إلى ما صار إليه، وما ذاك إلا لأن القاعدة المتينة فيه أسسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقواه أصحابه - رضي الله عنهم - وشيدها التابعون وأكمل بناءها مَن جاء بعدهم من أئمة الدين، فما بين أيدينا من علم للدين نقله خلفنا عن سلفنا عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، والعلماء فيه أهل اتباع لمَن سبقهم، لا أهل ابتداع، وإنما إبداع في إظهار علم النبوة ونقله.
قال الدِّهلوي - رضي الله عنه - (2) : (( سَمِعَ التابعون قضاءَ الصحابة وفتاويهم، وسألوهم عن المسائل، واجتهدوا في ذلك كلّه، ثم صاروا كبار قوم، ووسِّد إليهم الأمر، فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتضاءات، فقضوا، وأفتوا، ورووا، وعلموا، وكان صنيع في هذه الطبقة متشابهًا، وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمرسل جميعًا، ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين علمًا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوها موقوفة ) ).
(1) في مناهج التشريع في القرن الثاني الإسلامي في القرن الثاني الهجري 1: 12.
(2) في حجة الله البالغة 1: 268-269.