فصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحوا البلاد شرقًا وغربًا وحلوا فيها معلمين لأهلها ما ورثوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصارت الأمصار الرئيسية يدور فقهها على فقه من سكنها من كبار مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -، فالكوفة حلَّ فيها ابن مسعود - رضي الله عنه - يعلم أهلها، وتلقى على يديه كبار التابعين فيها مثل علقمة، وهكذا الحال في مكة والبصرة والشام والمدينة وغيرها.
وما يهمنا هنا من ذلك أن هذه المدن صُبِغَت فقهًا وأصولًا بفقه مَن حلَّ فيها من الصحابة - رضي الله عنهم - ومَن تلقى على يديهم من التابعين، فتميز فقه كل مصر؛ لتميز أصوله التي بنى عليها فقه كما هو معلوم، فلاحظنا أن أهل كل بلده يفتخرون بعلمائهم وعلم ولا يجاوزونه إلى غيره إلا نادرًا، قال ولي الله الدِّهلوي (1) : (( إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة، فالمختار عند كلّ عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنه أعرف بصحيح أقاويله من السقيم، وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم ) )، فمثلًا أهل المدينة اعتمدوا من أصولهم إجماع أهل المدينة، وهو ما توارثه علماء المدينة جيلًا بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قدَّموه على حديث الآحاد، فعن فقيه المدينة ربيعة الرأي - رضي الله عنه: (( ألف عن ألف خير من واحد عن واحد ) ) (2) .
(1) في حجة الله البالغة 1: 269.
(2) ينظر: مالك - رضي الله عنه - لأبي زهرة ص280، وغيره.