الصفحة 34 من 302

ومثل ما حصل في المدينة كان حاصلًا في الكوفة وهما يومئذ حاضرة الإسلام، فأهل الكوفة كانوا يعتدون ويعتمدون على فقه الصحابة - رضي الله عنهم - الذي سكنوا الكوفة، ويقدمونه على غيره، قال الإمام السَّرَخسي - رضي الله عنه - (1) في مسألة استدل فيها الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه: (( وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم؛ لأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - كان لا يرى تقليد التابعين، وكان يقول هم رجال ونحن رجال، ولكن ظهر عنده أن إبراهيم فيما كان يفتي به يعتمد قول علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما، وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما، فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما، فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم ) ).

فحاصل ما سبق أن أبرز مدرستين فقهيتين تكونتا في عصر التابعين في المدينة والكوفة كان من أصولهما: الاعتماد على الفقه الموروث عن مشايخهم من كتاب التابعين والصحابة - رضي الله عنهم -، وهذا الأصل كان له التأثير الكبير في الفقه الحنفي والمالكي فيما بعد، قال الدِّهلوي (2) : (( كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلًا على الفروع أتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد - رضي الله عنه - وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة، وهو في تلك اليسيرة أيضًا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة ) ).

(1) في المبسوط 11: 2.

(2) في حجة الله البالغة 1: 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت