الصفحة 37 من 302

ويوضّح هذا ما رُوِيَ عن زفر - رضي الله عنه - تلميذ أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه عندما قَدِمَ البصرة، وكان شيخها وقتئذٍ عثمان البَتِّي، فإن زفر كان يأتي حلقته ويسمع مسائله، فإذا وقف على الأصل الذي بنى عليه مسائله تتبع فروعه التي فرعها على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم الأصل طالب البَتِّي حتى يلزمه قوله ويبيّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهودًا عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البتي على ذلك واستحسنوا ما كان منه قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم ويقيم الحجة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه ويطالب البتي بالرجوع إليه ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة ، فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة إلى زفر وبقي البَتِّي وحده (1) .

فها هو عثمان البَتِّي رغم أنه كان مشهورًا في عصره بالفقه وكان شيخ البصرة، إلا أنه لَمَّا لم تكن أصوله التي يرجع إليها في استخراج المسائل دقيقة ومنتظمة كان حال مذهبه الفناء لا البقاء.

إذ أنه لا بدّ لكلّ مَن يدَّعي الاجتهاد من أصول يعتمد عليها في استخراج الأحكام، فبين هذه الكثرة من نصوص القرآن والأحاديث النبوية وآثار الصحابة وما اتفق عليه من الفقهاء فإنه يحتاج في استنباط أي حكم شرعي إلى قواعد يوفق فيها بين عمومات وخصوصات هذه النصوص، وبين ما ظاهره التعارض منها وهلم جرّا، فمَن كانت أصوله أقوى من غيره كانت فروعه منسجمة ومنتظمة فيما بينها وأدعى للقبول والبناء عليها كما حصل مع زفر - رضي الله عنه -.

(1) ينظر: لمحات النظر في سير الإمام زفر ص18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت