الصفحة 38 من 302

قال إمام الحرمين: (( أجمع المحققون على أن العوامَ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم ) ) (1) .

قال الدكتور مصطفى الخن (2) : (( ونعني بالقواعد الأصولية تلك الأسس والخطط والمناهج التي يضعها المجتهد نصب عينيه عند البدء والشروع بالاستنباط، يضعها ليشيد صرح مذهبه، ويكون ما يتوصل إليه ثمرة ونتيجة لها ) ).

فهؤلاء الأئمة لا شكّ في اعتمادهم في استنباطهم على أصول وقواعد وإن تدون في زمنهم، وقد نسب أول تدوين في أصول الفقه إلى أبي يوسف؛ إذ ألف في أصول أبي حنيفة، وعيسى بن أبان يكثر في كتبه من نقل نتف في الأصول عن محمد بن الحسن، وأبو بكر الرازي كثير النقل من كتب عيسى في كتابه (( الفصول في الأصول ) ) (3) .

ويرجع السبب في تأخُّر تدوين علم أصول الفقه إلى أنه لم يكن قد ابتدأ بعد عصر تقعيد قواعد للعلوم الشرعية، وتأصيل أصول منهجية لها، وتدوينها بطريقة علمية منظمة، بل إن مجرد تدوين العلوم العربية كلها نشأ في القرن الثاني، ولم يزدهر ويأخذ صورة جماعية إلا في النصف الثاني منه، فأول كتاب مستقل في الأصول يصل إلينا هو كتاب الشافعي المسمَّى بـ (( الرسالة ) )؛ لأن التدوين وتأصيل العلوم كلها قد ظهر على عهده، فالنحو ابتدأ تأصيل قواعده، والعروض قد وضع أصوله الخليل بن أحمد، وكان معاصرًا للشافعي، والجاحظ قد ابتدأ يتكلم ويكتب في موازين النقد الأدبي، وهكذا نجد ذلك العصر قد ابتدأت فيه مناهج العلوم.

(1) ينظر: مواهب الجليل 1: 30، وغيره.

(2) في أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص117.

(3) ينظر: بلوغ الأماني ص50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت