ولا غرابة في تأخير تدوين الأصول عن تدوين الفقه؛ لأن الذي دفع إلى إعلان أحكام الفروع الفقهية هو السؤال عنها، والحاجة إلى إعلانها؛ ليعرف الناس أحكام دينهم، وما كان العامة الذي يستفتون في حاجة إلى تعرف مناهج الاستنباط، وإنما كانوا في حاجة إلى معرفة حكم الدين فيما يقع لهم من حوادث، وما يبتلون به من أمور تحتاج إلى أحكام تكون على وفق أحكام الإسلام.
ومن الطبعي إذن في تاريخ العلوم كلها أن يكون وضع القواعد والأصول متأخرًا في النشأة ولاحقًا لوجود موضوع هذه العلوم ذاتها (1) .
فحاصل الكلام في هذه المرحلة أن الأئمة المجتهدين المستقلين أحكموا الأصول وسبروا النصوص ودققوا في وضع القواعد وأكثروا من التفريع عليها بعد أن استفادوا ممَّن سبقهم حتى تكوَّنت لديهم مذاهب فقهية مستقلة.
وفي عصرهم ظهرت حركة تدوين العلوم المختلفة فابتدؤوا بتدوين الفقه، وبرزت الموسوعات الفقهية الضخمة على يد محمد بن الحسن الشيباني - رضي الله عنه - ككتابه المبسوط، ونقل عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه دوَّن في علم الأصول، ولكن أقدم كتاب بين أيدينا في علم الأصول هو الرسالة للإمام الشافعي - رضي الله عنه -.
المطلب الخامس: أصول الفقه في عصر الأئمة
المجتهدين في المذاهب:
في هذا العصر ظهر علم الأصول في كتب مستقلة، وحققت مسائله، ودققت قواعده، وفصلت أصوله، ودلل عليها، بعد أن كانت هذه الأصول مرتكزة في الأذهان والعقول إلا ما كان من التدوين الذي قام بها الشافعي - رضي الله عنه - لها، وسلك العلماء في التأليف في الأصول مسالك، وألفت في كلِّ منهما المئات من الكتب الأصولية، نقتصر هاهنا على بيان خمسة اتجاهات مع ذكر أبرز الكتب فيها فيما يلي:
الاتجاه الأول: طريقة الفقهاء:
(1) مناهج التشريع، ص14-15.