إن تعلم علم الأصول كأغلب العلوم النافعة الشرعية وغير الشرعية واجب على الكفاية، فإن قامَ به البعض سقط عن الباقين؛ لأنه لا بُدّ من حفظها وتوصيلها للمسلمين حتى لا يضيع هذا العلم، الذي فيه حفظ علم الفقه، قال - جل جلاله: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (1) ، ومعلوم أن حفظ الله - جل جلاله - لها يكون على أيدي المسلمين ممن يتخصّصون في تعلمه وتعليمه.
وقال - عز وجل: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (( 2) . فالآية دالة على أننا مأمورون بأن يتفرَّغَ منا البعض لتعلم أحكام الشريعة؛ ليعلموها للناس، قال - جل جلاله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (( 3) ، وقال - جل جلاله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (( 4) ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأ سمع منّي حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه) (5) .
ولم يكن واجبًا عينيًا؛ لأنه ليس كل فرد من المسلمين بحاجة إليه، بل يحتاج إليه أولى العلم والفقه والذي نصبوا أنفسهم للفتوى أو نُصّبوا للقضاء والحكم بين الناس، فإذا قام به بعضهم، فإن سائر الناس يمكنهم الاستغناء عن دراسته (6) .
(1) الحجر:9.
(2) التوبة:122.
(3) المائدة: من الآية67.
(4) الحجر: من الآية94.
(5) في صحيح ابن حبان 1: 270، والمستدرك 1: 162، والمسند المستخرج 1: 40، وجامع الترمذي 5: 33، وحسنه، وغيرها.
(6) ينظر: الواضح في أصول الفقه ص16، وأصول الفقه تاريخه ورجاله ص20، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي ص29-31، وتعليم المتعلم ص23-24، والفوائد المكية ص13، وغيرها.