ذهب أبو بكر الجصاص وجماعة إلى أنه مثل المتواتر، فيثبت به علم اليقين لكن بطريق الاستدلال لا بطريق الضرورة؛ لأن التابعين لما أجمعوا على قبوله والعمل به ثبت صدقه؛ لأنه لا يتوهم اتفاقهم على القبول إلا بجامع جمعهم عليه، وليس ذلك إلا تعيين جانب الصدق في الرواة، ولهذا سمينا العلم الثابت به استدلاليًا لا ضروريًا إلا أنه لا يكفر جاحده؛ لأن إنكاره وجحوده لا يؤدي إلى تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لم يسمع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - عدد لا يتصور تواطؤهم على الكذب، بل هو خبر واحد قبله العلماء في العصر الثاني، بخلاف إنكار المتواتر فإنه يؤدي إلى تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ المتواتر بمنزلة المسموع منه وتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفر.
ذهب عيسى بن أبان أنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، والطمأنينة: زيادة توطين وتسكين يحصل للنفس على ما أدركته، فإن كان المدرك يقينيًا فاطمئنانها زيادة اليقين وكماله كما يحصل للمتيقن بوجود مكة بعد ما يشاهدها، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية: { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (1) ، وإن كان ظنيًا فاطمئنانها رجحان جانب الظنّ بحيث يكاد يدخل في حدّ اليقين، وهو المراد هاهنا.
(1) البقرة: من الآية260.