.. وعلى نهج الصحابة في التثبت والتحرى، درج الأئمة من التابعين وأتباعهم، فها هو محمد بن سيرين، التابعى الكبير، يعلن عن أثر الفتنة، على البحث والنقد، فيقول:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم (1) . وفى رواية عنه قال:"إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" (2) ."
وكثيرًا ما كان التابعون، وأتباعهم يتذاكرون الحديث، فيأخذوا ما عرفوا ويتركوا ما أنكروا، قال الإمام الأوزاعى:"كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف، على الصيارفة فما عرفوا منه أخذنا، وما تركوا تركناه (3) ، وروى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن أبى مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أن يكتب لى ويخفى عنى.فقال: ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختيارًا وأخفى عنه: فدعا بقضاء علىّ0 فجعل يكتب منه أشياء. ويمر به الشئ فيقول: والله ما قضى بهذا علىّ إلا أن يكون ضل (4) ."
(1) سبق تخريجه ص 128.
(2) أخرجه مسلم (بشرح النووى) المقدمة، باب بيان أن الإسناد من الدين 1/119، وانظر: الفكر المنهجى عند المحدثين للدكتور همام عبد الرحيم ص 56 - 58 بتصرف.
(3) انظر: الجرح والتعديل2/20، 21، والمحدث الفاصل ص 64، والكفاية في علم الرواية ص 605، والموضوعات لابن الجوزى1/103،وانظر: نحوه عن الأعمش في معرفة علوم الحديث للحاكم ص16
(4) أخرجه مسلم (بشرح النووى) المقدمة، باب النهى عن الرواية عن الضعفاء 1/112، 113.