الإسلام ليس الإفناء ولا الإبادة ولا اغتصاب مقدرات الشعوب وإنما"ابتدءًا بتأمين الذين يختارون هذه العقيدة [1] على حريتهم في اختيارها .. فلا يصدوا عنها .. ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها .. وثانيًا: أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على"دار الإسلام"التي تحميها تلك القوة .. ثالثًا: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي وهو ينطلق لتحرير"الإنسان"كله في"الأرض"كلها .. ورابعًا: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها ولا تعترف بأن الإلوهية لله وحده ومن ثم فالحاكمية له وحده سبحانه".. أهـ من الظلال .. بمثل هذه القوة في الخطاب يجب أن تكون القوة في الوسائل .. وبمثل هذه القوة في الطرح يجب أن تأتي كلمات الدعاة .. فالناس أسرى لكل منطق فصيح قوي لا تلعثم فيه ..
ولا شك أيضا أن هذه القوة تفرض نوعا من الهيبة والحماية لدعاة الإسلام حين ينطلقون في أرجاء المعمورة لهداية البشر للإسلام .. فلا يمنعهم أحد .. ناهيك على أن يعتدي عليهم كائن من كان .. إن الهيبة تفرض على آذان المستهدَفِين بالدعوة نوع من الاحترام يجعلهم ينصتون بتدبر وتأمل لكل ما ينطق به الداعية .. ما كان لينالها الدعاة إلا بسبب القوة التي تطل على رؤوسهم في خلفية المشهد .. قال - سبحانه وتعالى - {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ 13} الحشر .. فالقتال [2] في الإسلام ليس لمجرد الرغبة فيه
(1) المصدر (في ظلال القرآن) بتصرف.
(2) نظرة الإسلام للكفار والمنافقين لخصها الإمام ابن القيم في إطار تلخيصه لسياق الجهاد في الإسلام في"زاد المعاد"في الفصل الذي عقده باسم:"فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل: أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق. وذلك أول نبوته. فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه (يا أيها المدثر قم فأنذر) فنبأه بقوله: (اقرأ) وأرسله ب (يا أيها المدثر) . ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين. ثم أنذر قومه. ثم أنذر من حولهم من العرب. ثم أنذر العرب قاطبة. ثم أنذر العالمين. فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية .. ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة .. وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله .. ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. . ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة. وأهل حرب. وأهل ذمة. . فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم .. وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد؛ فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده. . ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها: فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام. وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم. فجاهد الكفار بالسيف والسنان .. والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم. . وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له .. فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه .. فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه .. أو كان لهم عهد مطلق .. فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر؛ فإذا انسلخت قاتلهم. . فقتل الناقض لعهده .. وأجل من لا عهد له .. أو له عهد مطلق .. أربعة أشهر .. وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته؛ فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل الذمة الجزية. . فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له .. وأهل عهد .. وأهل ذمة. . ثم آلت حالة أهل العهد والصلح إلى الإسلام .. فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه. . فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به. ومسالم له آمن. وخائف محارب. . وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله .. وأن يجاهدهم بالعلم والحجة .. وأمر أن يعرض عنهم .. ويغلظ عليهم .. وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم؛ ونهى أن يصلي عليهم .. وأن يقوم على قبورهم؛ وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم. . فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين". . انتهى.