فهرس الكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليفارقها، أو يقصد مصلحة الزوجة، كأن تكون كارهة الزوج، لكن ليس لديها من المال ما تدفعه عوضًا، أو يكون قصده مصلحة الجميع، فإن قصد غير ذلك لم يجز.
ومفهوم كلامه: أن من لا يصح تصرفه من زوجة وأجنبي لا يصح بذله لعوض الخلع، لأنه بَذْلُ مال في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة، فصار كالتبرع، فلم يصح.
قوله: (ولا يُسَنُّ بأكثرَ مِما أعْطَاهَا) أي: ولا يستحب خلع الزوجة بأكثر مما أعطاها من الصداق، لكن لو أخذ أكثر مما أعطاها كره، وصح الخلع، واستدلوا «بأن النَّبِيَّ - أَمَرَ ثَابِتَ بنَ قَيسٍ أَنْ يَاخُذَ مِنْ زَوجَتِهِ حَدِيقَتَهُ وَلا يَزْدَادَ» [1] .
والقول الثانِي: أن الزيادة لا تجوز، ويرد ما أخذ، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر الخلال [2] ، وحملوا الآية على معنى: فَلَا (( (( (( (( (( (( (( (( ((
فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي: من الذي أعطاها، لتقدم قوله: {أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ (( (( (( (} فردوا آخر الآية على أولها، أو يقال: إن الآية عامة، ولكنها خصصت بالسنة التي صرح النبي - فيها بعدم الزيادة إن صحت.
والقول الثالث: أنه يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها بلا كراهة [3] ، وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد، واستدلوا بقوله تعالى: {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وهذا عام في القليل والكثير. قال مالك:"لا بأس بأن تفتدي المرأة من زوجها بأكثر مما أعطاها" [4] ، وقال مجاهد:"إذا خلعها جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها"ثم تلا: {فَلَا (( (( (( (( (( (( (( (( (( فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [5] ، ويبدو أن فقهاء الحنابلة أرادوا التوسط، فقالوا: لا يحرم أخذ الزيادة، ولكنه يكره.
والظاهر -والله أعلم- أنه يجوز الخلع بما أعطاها، وبأكثر مما أعطاها، فإذا بذلت الزيادة ابتداء جاز له أخذها مع الكراهة، لأن هذا ينافي المروءة، قال ميمون بن مهران:"مَن أخذ أكثر مما أعطى لم يسرِّح بإحسان" [6] ، وقال سعيد
(1) أخرجه ابن ماجه (2056) ، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس به، وفيه عنعنة قتادة وهو مدلس، وله شاهد من مرسل ابن جريح عن عطاء، فذكر قصة المختلعة وقول النبي: «أما الزيادة من مالك فلا» أخرجه البيهقي (7/ 314) ، ومن طريق أبي الزبير عند الدارقطني (3/ 255) ، والبيهقي (7/ 314) ، فذكر قصة ثابت، وفيها: «أما الزيادة فلا» قال الحافظ في"فتح الباري" (9/ 402) :"رجاله ثقات، وقد وقع في بعض طرقه: سمعه أبو الزبير من غير واحد، فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما سبق"، يعني: حديث ابن عباس عند ابن ماجه، ومرسل عطاء.
(2) "الإنصاف" (8/ 398) .
(3) "تفسير ابن كثير" (1/ 404) .
(4) "الموطأ" (2/ 565) .
(5) أخرجه عبد الرزاق (6/ 506) ، وسعيد بن منصور (1/ 334) رقم (1425) من طريق سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وإسناده صحيح، كما في"فتح الباري" (9/ 402) .
(6) "فتح الباري" (9/ 402) .