الصفحة 2198 من 2648

ولا حَرَمٍ إنْ لَم يَفْعَلهُ فِيهِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (ولا حَرَمٍ إنْ لَم يَفْعَلهُ فِيهِ) هذا الموضع الثانِي الذي لا تقام فيه الحدود، وهو الحَرَم، لقوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [1] ، ولأن النبي - قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وإِنَّمَا أحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهْار، ثُمَ عَادت إلى حُرمَتِها، فَلا يُسْفَكُ فِيهَا دَم ... » [2] .

ولا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجوز إقامة الحد داخل المسجد الحرام، لأنه إذا منع من التنفيذ في غيره من المساجد فالمسجد الحرام أولى، باعتباره أفضلها وأعظمها شأنًا.

وإنما الخلاف في تنفيذ الحد خارج المسجد الحرام وداخل حدود الحرم، وما ذكره المصنف هو المذهب [3] ، وهو أن من قَتَلَ أو أتى حدًَّا خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يُستوفَ منه فيه، على الأظهر من أقوال أهل العلم.

وقوله: (إنْ لَم يفَعَلهُ فِيهِ) مفهومه أنه إن فعل ما يوجب الحد في الحرم استوفي منه فيه، لأن الله تعالى حرم القتال في الحرم وأباحه لمن قاتل فيه، فقال تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [4] ، ولأنه انتهك حرمة الحرم وعَرَّضَ نفسه للعقوبة، ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى

بل يُضَيَّقُ عَليه بِتركِ البيعِ والشِّراءِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الحِلِّ فيُقامُ حينئذٍ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الزجر عند ارتكاب المعاصي، حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، كما يحتاج إليه غيرهم، فلو لم يشرع الحد على من ارتكبه في الحرم، لتعطلت حدود الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها.

قوله: (بل يُضَيَّقُ عَليه بِتركِ البيعِ والشِّراءِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الحلِّ فيُقامُ حينئذٍ) أي: ومن قتل أو أتى حدًا خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه -كما تقدم- ولكن يضيق عليه، فلا يبايع ولا يُشارى حتى يخرج إلى الحل فيقام عليه، لأن الاستيفاء واجب في الجملة، وفي مبايعته ومشاراته إبقاءً له في الحرم، وذلك يفضي إلى عدم استيفاء الواجب.

والمراد بالحرام: حرم مكة، فأما حرم المدينة فليس كذلك على الصحيح من المذهب، والله تعالى أعلم.

(1) سورة آل عمران، الآية (97) .

(2) أخرجه البخاري (104) ، ومسلم (1354) .

(3) "الإنصاف" (10/ 167) .

(4) سورة البقرة، الآية (191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت