فهرس الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وذلك لأن الشرع علق أحكام الحيض على وجوده ولم يحدد لذلك سنًا معنيًا، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى (( (( (( (( (( (( (( (النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [1] ، وعن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيسَ بِالحَيضِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» [2] .
وما تراه المرأة بعد الخمسين أو الستين فهو حيض، ولا معارض لدليل كونه حيضًا؛ فإن قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [3] لا يراد به سنًا بعينه، إذ لو كان لليأس سن معين لبينه الله ورسوله، وإنما هو أن تيأس المرأة من أن تحيض، فإذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فقد يئستْ من المحيض، سواء كان عمرها خمسين أو أقل أو أكثر.
قوله: (وَأَقَلُّ الحَيضِ يَومٌ وليلةٌ) وذلك بالتتبع والاستقراء، فلو رأت الحيض لأقل من ذلك فليس بحيض، بل هو دم فساد لا تجلس له، ودليل ذلك حديث عليٍّ - رضي الله عنه - الآتي.
وأكثرُهُ خَمسةَ عَشَرَ يومًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأكثرُهُ خَمسةَ عَشَرَ يومًا) أي: بالتتبع والاستقراء، وأيضًا فإن غالب الحيض ستة أو سبعة، ومن يزيد لا يتجاوز خمسة عشر يومًا، لقول عطاء:"رأيت من تحيض خمسة عشر يومًا". وهذا الاستدلال ضعيف، لأنه إذا كان المرجع إلى العادة فإن النساء يختلفن في ذلك، ولهذا قال ابن رشد لما ذكر اختلاف الفقهاء في أقل الحيض وأكثره:"هذه الأقاويل كلها المختلف فيها عند الفقهاء في أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكلٌّ إنما قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك، ولاختلاف ذلك في النساء عَسُرَ أن يعرف بالتجربة حدود هذه الأشياء في أكثر النساء، ووقع في ذلك هذا الخلاف الذي ذكرنا" [4] .
والمقصود أن الاحتجاج بما يقع من حال النساء غير صحيح، لأن كل من حَدَّ حدًا معينًا فهو على ما علمه، ولا يمكن أن ينفي مالا يعلمه، فقد يأتي من يثبت حكمًا آخر بناء على علم آخر.
والراجح: أنه لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره، فإن الله تعالى قال: {وَلَا (( (( (( (( (( (( (( (( (( يَطْهُرْنَ} [5] فجعل غاية المنع هي الطهر، ولم يجعل الغاية مضي يوم
(1) سورة البقرة، الآية (222) .
(2) تقدم تخريجه في باب"الغسل".
(3) سورة الطلاق، الآية (4) .
(4) "بداية المجتهد" (1/ 137) .
(5) سورة البقرة، الآية (222) .