فهرس الكتاب
لبيان ما ذكروه لكان دليلًا على امتداد وقت الصبح إلى الظهر، وهم لا يقولون به، فكيف يصح استثناؤها؟
قوله: (ثم يعقُبه الفجرُ، ويبقى إلى طلوعِ الشمسِ) لم يبين المؤلف بداية وقت الفجر، لأنه يرى أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر الثانِي وهو وقت الضرورة. ولهذا قال: (ثم يعقبه الفجر إلى طلوع الشمس) .
ودليل ذلك: حديث عبد الله بن عمرو -المتقدم- وفيه: «وَوَقتُ صَلاةُ الصُّبحِ مِن طُلُوعِ الفَجرِ مَا لم تَطلُع الشَّمسُ» .
قوله: (ويُدرك الوقتُ بتكبيرةٍ، كالجماعة) أي: يدرك وقت الصلاة بإدراك تكبيرة، والمراد بها: تكبيرة الإحرام، فإذا كبَّر قبل خروج الوقت ولو وقت الضرورة كالعصر والعشاء -على رأي المصنف ومن وافقه- أدرك الوقت، لأن إدراك جزء من الوقت كإدراك الكل، لأن الصلاة لا تتبعض، فتكون صلاته أداءً.
وما ذكره المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد [1] ، لحديث أبي
هريرة - رضي الله عنه: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَليُتِمَّ صَلاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَليُتِمَّ صَلاتَهُ» [2] ، ولأنه أدرك جزءًا من الوقت فاستوى قليله وكثيره، فلا ينبغي أن يفرق بين تكبيرة وركعة.
والقول الثانِي: أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة. وهذا رواية عن الإمام أحمد، ومذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية [3] ، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «مَن أدرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلاة فَقَد أدرَكَ الصَّلاة» [4] ، فهذا نص صريح في أن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة، ومفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة.
وأما تكبيرة الإحرام فلم يعلق بها الشارع حكمًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا في الجماعة، فهو وصف ملغى في نظر الشارع، فلا يجوز اعتباره، وإنما الاعتبار بالركعة.
وأما دليل الأولين فعنه جوابان:
الأول: أن رواية «سَجدَةً» مختلف فيها على رواتِها. وأما رواية «ركعة» فلم يختلف فيها، فيكون الاعتماد على ما اتفق عليه، لا ما اختلف فيه.
الثانِي: أنه ورد في حديث عائشة عند مسلم: «والسَّجدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكعَةُ» [5] ، فدلَّ على أن المراد بالسجدة: الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة [6] ، وقد ورد في نصوص الشرع هذا الإطلاق، ففي حديث ابن عمر: «صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ
(1) "الإنصاف" (1/ 439) .
(2) أخرجه البخاري (556) .
(3) "الإنصاف" (1/ 439) ،"مجموع الفتاوى" (23/ 256 - 257) ،"حاشية الخرشي" (1/ 408) .
(4) أخرجه البخاري (555) ، ومسلم (607) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(5) أخرجه مسلم (609) .
(6) "أعلام الحديث"للخطابي (1/ 438) .