الصفحة 421 من 2648

وقد ورد في حديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه: «أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه في صلاته وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» [1] . ولعل هذا محمول على أنه يفعله أحيانًا، والغالب أنه لا يرفع.

بركْبَتَيهِ، ثم يَديهِ، ثم جبهتِهِ وأنْفِهِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (بركْبَتَيهِ، ثم يَديهِ، ثم جبهتِهِ وأنْفِهِ) أي: يبدأ بركبتيه، مثنى «ركبة» ثم جبهته: وهي ما فوق الحاجب من الوجه. وأنفه: بفتح الهمزة وسكون النون، والواو بمعنى (مع) ، لأن الأنف تابع للجبهة مصاحب لها، والمراد باليدين: الكفان.

وقد أفاد المصنف أن المصلي يبدأ بالركبتين في السجود، وهو الموافق للوضع الطبيعي للبدن، فإن الأسفل منه ينْزل قبل الأعلى، كما أنه أرفق بالمصلي، وأحسن بالشكل ورأى العين، ودليل ذلك: حديث وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» [2] .

(1) أخرجه النسائي (2/ 205 - 206) بسندين صحيحين، كما ذكر الألباني في"صفة الصلاة"ص (140) .

(2) أخرجه أبو داود (838) ، (839) ، والترمذي (267) ، والنسائي (2/ 207) ، وابن ماجه (882) من طريق يزيد بن هارون: أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ابن حجر به. وقد ضعف هذا الحديث قوم، وصححه آخرون. فممن ضعفه: البيهقي، والدارقطني، والألباني، وغيرهم، وحجتهم تفرد شريك بن عبد الله القاضي به، وليس هو بالقوي. وممن صححه: الترمذي، فقد قال:"حسن غريب"، والطحاوي، والبغوي، والخطابي، وابن القيم، وغيرهم. وهذا هو الأظهر -إن شاء الله- فإن شريك بن عبد الله تكلم فيه علماء الجرح والتعديل ما بين مضعف له، وهم قلة، وموثِّق له مطلقًا، أو موثق له مع جواز الغلط والوهم عليه، فيكون ثقة خفيف الضبط، والأكثرون على هذا. وخلاصة ما قيل فيه: إنه ثقة صدوق يهم، فإن حدّث من كتابه فصحيح، وإن حدّث من حفظه فإن كان قبل ولايته القضاء فصحيح-أيضًا- إذا لم يعنعن، وإن كان بعدها ففي حديثه تخليط واضطراب، لأنه تغير وساء حفظه، لكن ما ذكر في هذا الحديث ليس مما يُضَيَّع، فإنه يتردد عليه في اليوم والليلة خمس مرات غير النوافل، فمثل هذا يحفظ، على أنه روى هذا الحديث عنه يزيد بن هارون=

= ... الواسطي-كما تقدم- وسماعه منه قديم، قبل ولايته القضاء، كما صرّح بذلك ابن حبان في"الثقات" (6/ 444) ، وكذا غيره، وقد رواه بالعنعنة، لكن تابعه همام بن يحيى البصري من ثلاث طرق عند أبي داود (839) ، والطحاوي في"شرح معاني الآثار" (1/ 255) ، والبيهقي (2/ 98، 99) ، والطريق الثالث مرسل صحيح. وله شاهد من حديث أنس - رضي الله عنه - قال:"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبّر فحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه، وانحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه"أخرجه الدارقطني (1/ 345) ، والحاكم (1/ 226) ، والبيهقي (2/ 99) ، وقال الحاكم:"هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة"، ووافقه الذهبي. وقد أخرجه ابن حزم في"المحلى" (4/ 179) محتجًا به في مقام المعارضة لمذهبه، ولم يذكر له علة، ولو علمها لبادر بذكرها، لأن ذلك ينفعه في مقام تضعيف الدليل المعارض. وقد ضعفه بعض العلماء بجهالة العلاء بن إسماعيل، وقد تفرد به، وبقية رجاله رجال الصحيح. ولحديث وائل شاهد -أيضًا- من حديث أبي هريرة، وسعد ابن أبي وقاص، وهما حديثان ضعيفان. لكن تعدد الرواة، وكثرة الطرق يدل على أن الحكم له أصل، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت