الصفحة 839 من 2648

قوله: (وَيَحثُو عَلَيهِ التُّرَابَ ثَلاثًا) حَثَا الرجل التراب يَحْثُوهُ حَثْوًَا، ويَحثِيهِ حَثيَا: هاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه [1] ، وقد استحب الفقهاء لحاضر دفن الميت أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعًا بعد الفراغ من سد اللحد [2] ، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُول اللهِ - صَلى عَلى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ المَيِّتِ فَحَثَى عَليهِ مِنْ قِبَل رَاسِهِ ثَلاثًا» [3] . وليس في ذلك دعاء، ولا ذكر معين كما استحبه بعض الفقهاء المتأخرين، لعدم ثبوت شيء في ذلك عن رسول الله -، وفي حثو التراب عليه أقوى عِبرةٍ وتذكُّرٍ للموت، ومن الملاحظ أن الناس يزدحمون من أجل الحثو - مع ما فيه - ويتركون السنة الثابتة، وهي الوقوف على الميت للدعاء له بالثبات.

قوله: (ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ) أي: يُصَبُّ في القبر، تقول: هِلتُ التراب والدقيق وغيرهما، أَهيله هَيلًا أي: صببته، فانهال أي: انْصَبَّ [4] . فَيُهال التراب

على القبر بالمساحي ونحوها إسراعًا في تكميل الدَّفن، وبعد تمام الدَّفن يرفع القبر ويُسَنَّم -كما تقدم-.

ولا بأس بوضع الحصباء على القبر، لما ورد عن القاسم أنه قال: «دَخَلتُ عَلى عَائِشَةَ فَقُلتُ: يَا أُمَّهْ، اكْشِفِي لي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ - وَصَاحِبَيهِ فَكَشَفَتْ لي عَنْ ثَلاثَةِ قُبُورٍ، لا مُشْرِفَةٍ، وَلا لاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ العَرْصَةِ الحَمْرَاءِ» [5] ، والحديث فيه كلام، لكن حتى لو لم يثبت فلا بأس بوضع الحصباء على القبر أو الخرسانة، لأنها أثقل من التراب، فلا تذهب مع الرياح والأمطار.

ولا بأس أن يُعَلَّمَ القبر بحجر ونحوه، لمعرفته عند الزيارة، أو لدفن القريب بجانبه، لحديث المطلب بن أبي وداعة - رضي الله عنه - قال: لمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - رَجُلًا أَنْ يَاتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلمْ يَسْتَطِعْ حَمْلهُ، فَقَامَ إِليهَا رَسُولُ اللهِ - وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيهِ، ثُمَّ حَمَلهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَاسِهِ وَقَال: «أَتَعَلَّمُ بهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِليهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» [6] .

(1) "المصباح المنير"ص (121) .

(2) انظر:"بدائع الفوائد" (4/ 1442) .

(3) أخرجه ابن ماجه (1/ 499) ، وصححه ابن القطان في"بيان الوهم والإيهام" (5/ 27) ، وقال البوصيري في"الزوائد" (1/ 511) :"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات"، وقال النووي في"الخلاصة" (2/ 1019) :"رواه ابن ماجه بإسناد جيد"، وقال الحافظ في"التلخيص" (2/ 139) :"إسناده ظاهر الصحة". والحديث له شواهد تقويه ذكرها الألباني في"الإرواء" (3/ 201) ، وسئل عنه أبو حاتم كما في"العلل" (483) فقال:"هذا حديث باطل"اهـ. ولعله أراد بذلك تفرد سلمة بن كلثوم الشامي بروايته عن الأوزاعي، وقد نقل الحافظ في"التهذيب" (4/ 137) عن الدارقطني أنه قال:"شامي يهم كثيرًا". وانظر:"المغني" (3/ 429) .

(4) "تهذيب اللغة" (6/ 416) ،"المصباح المنير"ص (645) .

(5) أخرجه أبو داود (3220) ، والحاكم (1/ 369) ، وعنه البيهقي (4/ 3) ، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد"وسكت عنه الذهبي، وهو من رواية عمرو بن عثمان بن هانئ، وهو مستور، كما قال الحافظ في"التقريب".

(6) أخرجه أبو داود (3206) ، ومن طريقه البيهقي (3/ 412) ، وحسنه الحافظ في"التلخيص" (2/ 141) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت