3-يجدر الإشارة هنا - للإجابة على التساؤل الثالث- إلى أن الذريعة أو الوسيلة تتفاوت من وسيلة إلى أخرى، فقد تكون الوسيلة مقصدا وغاية لما دونها، وقد تكون الوسيلة تفضي إلى شرور ومفاسد قطعية وكثيرة، وقد تفضي إلى مفاسد وشرور ظنية أو محتملة وقليلة، وعليه فالحاجة التي تبيح الأخيرة لا تبيح التي قبلها للاختلافات، بل قد تصل تلك إلى كونها أشد في جنسها من بعض ما حرم تحريم مقصد من غيرها، والميسر بخصوصه يشمل أنواعا من المسائل التي يتفاوت إفضاؤها إلى الشرور والمفاسد قوة وضعفا، وقلة وكثرة، لذا يقول ابن تيمية:"الميسر اشتمل على مفسدتين: مفسدة في المال وهي أكله بالباطل، ومفسدة في العمل وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب وفساد ذات البين، وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي فينهى عن أكل المال بالباطل مطلقا، ولو كان بغير ميسر كالربا، وينهي عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بالعداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال، فإذا اجتمعا عظم التحريم فيكون الميسر المشتمل عليها أعظم من الربا ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا (20) ، ويقول في موضع آخر:"وهذا أصل مستمر من أصول الشريعة كما قد بسطناه في قاعدة سد الذرائع وغيرها، وبينا أن كل فعل أفضى إلى ذلك المحرم كثيرا كان سببا للشر والفساد فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة نهي عنه، بل كل سبب يفضي إلى الفساد نهي عنه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة فكيف بما كثر إفضاؤه إلى الفساد، ولهذا نهي عن الخلوة بالأجنبية، وأما النظر لها فقد كانت الحاجة تدعو إلى بعضه وخص منه فيما تدعو له الحاجة، لأن الحاجة سبب الإباحة، كما أن الفساد والضرر سبب التحريم فإذا اجتمعا رجح أعلاهما (21) .