قوله تعالى:"بل أحياء عند ربهم"؛ لأن التقدير هم أحياء فكيف يحيا الحي؟ فقال المظهر: قيل جعل الله تعالى تلك الروح في جوف طير خضر فأحيا ذلك الطير بتلك الروح فصح الإحياء، أو أراد بالإحياء زيادة قوة روحه فشاهد الحق بتلك القوة) اهـ، وما ذكره هو من التخريجات المحتملات فالله تعالى أعلم.
قلتُ: ويحتمل أن قوله:"أحيا أباك"هو حياةُ الشهداء المذكورة في الآية نفسُها، أي أحياه بالشهادة كما أحيا غيره، ثم خصَّه بمزية تكليمه كفاحًا، ويشهد لذلك ذكر آية آل عمران آخر الحديث، فيكون مساق الحديث إخبارًا من النبي صلى الله عليه وسلم بحياة الشهداء -ومنهم عبد الله بن حرام- عمومًا، وإنما ذُكرت حياة والد جابرٍ لما سيرتب عليها من الخصيصة التي ميّزته والله تعالى أعلم.
وكتب لي أحد العلماء في هذا: (ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يريد بذلك تسلية جابر وتبديل همه بالفرح بإخباره بأن أباك في أولئك الشهداء المذكورين في الآية، ليس خارجًا منها، والعلم عند الله) .اهـ
رابعًا: قال الحكيم الترمذي -رحمه الله-: (وتمنيه أن يحيا لأنه وجد لذة بذله لنفسه حين قتل وإنما بذل نفسًا خاطئة قد تدنست بالذنوب فأحب أن يبذلها ثانية طاهرة) ، وهذا المعنى يُلحق أيضا بتمني رجوع الشهيد إلى الدنيا ليقتل عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة.