الحمد لله الذي أعطى فأجزل العطاء، واتخذ من عباده المؤمنين شهداء، فأكرمهم واصطفاهم خير اصطفاء، وقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء} ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وإمام الحنفاء محمد بن عبد الله وآله وأصحابه النجباء وبعد:
فهذه أربعون حديثًا في بيان عظم منزلة الشهادة وما تفضل الله به على أهلها وما يلزم من الشروط في تحصيلها، والتعريف ببعض عوائقها، انتخبتها وانتقيتها لتكون نبراسًا يستضيء به كل من أراد دخول الجنة من بابها، كتبتها تحريضًا على نيل هذا الشرف العظيم، وترغيبًا لمن أراد بلوغ ذلك النعيم المقيم، فإنه باب نجاةٍ والناس عنه غافلون، وطريق سلامةٍ وأمانٍ والكثير لغيره سالكون، ومن رجا شيئًا طلبه.
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا .... إنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْري على الْيَبَسِ
بلى! ومنهم من أخلدَ إلى الدنيا فحُقَّ أن يقال فيه: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر/72] ، يطلُب بخلودِه الخلودَ في غيرِ دارِ الخلود وهيهات، يودُّ أحدهم لو يعمُّر ألف سنةٍ -ولو نالها- فما بعدها إلا الممات، وكم للموت على الفُرُش من شدائدَ وسكرات، وفي الشهادةِ كمسِّ القرصةِ بلا غُصَصٍ ولا كُرُبات، فيا غافلين!: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة/61] ، وقد علمتم أن أرواح الشهداء في أجوافِ الخُضْر من الطير، تسرح في الجنان، ومأواها قناديل تحت عرش الرحمن، فلئن شككتم فالشكُّ داء عضال، ولئن استيقنتم فلِمَ التلفُّت ذات اليمين وذات الشمال، تمنى خيرُ البرية نيلَها مراتٍ ومرات إعلامًا بشرفها، فهلاَّ ائتسيتم به فابتغيتموها في مظانِّها وسبُلها!.
فشمِّر -أخي- واطلبها قبل فوات الأوان، واقطع حِبالَ الآمالِ وقل يا نفسُ: الآن الآن، فقد مضى من العمر ما مضى، وانقضى من أيامه ما انقضى، فجُدَّ وجُدْ، وانصَبْ واجتهد، فالمعالي لا تدرك بالأماني، والنعيم لا يطلب بالنعيم، وقل:
تهونُ علينَا في المعالي نفوسُنا .... ومن يخطبِ الحسناءَ لم يُغْلِهَا المهرُ
وإنها لَكلماتٌ نيِّراتٌ من مشكاة النبوةِ تسري إلى القلب فتبعث فيه الشوق إلى المنازل الأولى وخيامها، وحورها وقصورها، ومسكها وزعفرانها، وتحضه على الانفكاك من سبي الدنيا