الحديث الرابع عشر: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} ) )رواه الترمذي - واللفظ له- وقال: حسن غريب، وابن ماجه، وابن حبان، وابن خزيمة، وغيرهم، ورواه أحمد، والحميدي، وأبو يعلى مختصرًا، وحسنه الألباني والأرناؤط.
بعض معاني الكلمات:
كفاحًا: أي مُواجَهةً ليس بينه وبينه حِجابٌ ولا رَسُولٌ.
بعض فوائد الحديث:
الأولى: فضلُ تبشير المؤمن بالخيرِ وتفريج الغمِّ عنه.
الثانية: إثبات صفة الكلام لله عز وجل، وأنه يتكلم بما شاء متى شاء وكيف شاء سبحانه.
الثالثة: سعة فضل الله عز وجل وأنه يخصُّ به من يشاء من عباده، قال العيني: (( وفيه فضيلة عظيمة لم تسمع لغيره من الشهداء في دار الدنيا ) )اهـ.
الرابعة: نَفَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يكون الله قد كلَّم أحدًا مواجهةً قبل عبد الله بن حرامٍ -رضي الله عنه- ولكن لم ينفِ إمكان وقوع ذلك لأحدٍ من الشهداء بعده، فتخصيصه بالذكر لا ينفي وقوع مثله لمن لم يتوجّه النفيُ إليه توجهًا بينًا، والله أعلم.
الخامسة: عظم منزلة من يقتل في سبيل الله تعالى حيث لم يتمنَّ، عبد الله بن حرامٍ شيئًا -مع أن من يكلِّمه رب العزة خالق كلِّ شيءٍ ومالكه- إلا أن يُعاد إلى الدنيا ليقتل مرةً أخرى، فلله كم في الشهادة من سرٍّ لا يُدَرك كنهه إلا بعد معاينته!.
السادسة: أن حياةَ البرزخ تختلف عن الحياة الدنيا، فلا تقاس عليها في شيء، ولهذا قال عبد الله (تحييني) أي تردّني حيًا إلى الدنيا، وإلا فهو حيٌّ في البرزخ حياة الشهداء يكلِّم الله سبحانه