الحديث الأربعون: عن سهلِ بن سعدٍ -رضي الله عنه- قال: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ) )رواه البخاري، وأحمد، وغيرهما
قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران/169 - 171] .
قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: (ولأجل شرف ذكر الله عز وجل عظمت رتبة الشهادة، لأن المطلوب الخاتمة، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله والقلب مستغرق بالله عز وجل منقطع العلائق عن غيره، فإن قَدرَ عبدٌ على أن يجعل همه مستغرقا بالله عز وجل فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال، فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده، بل من الدنيا كلها، فإنه يريدها لحياته وقد هون على قلبه حياته في حب الله عز وجل وطلب مرضاته، فلا تجرد لله أعظم من ذلك؛ ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا يحصى ... ثم القتل سببُ الخاتمة على مثل هذه الحالة، فإنه لو لم يقتل وبقي مدة ربما عادت شهوات الدنيا إليه وغلبت على ما استولى على قلبه من ذكر الله عز وجل؛ ولهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة، فإن القلب وإن ألزم ذكر الله عز وجل فهو متقلب لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ولا ينفك عن فترة تعتريه، فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر من الدنيا واستولى عليه وارتحل عن الدنيا والحالة هذه فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحنّ بعد الموت إليه ويتمنى الرجوع إلى الدنيا وذلك لقلة حظه في الآخرة إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه، فأسلم الأحوال عن هذا الخطر خاتمة الشهادة، إذ لم يكن قصد الشهيد نيلَ مال أو أن يقال شجاع أو غير ذلك، بل حب الله عز وجل وإعلاء كلمته، فهذه الحالة هي التي عبر عنها:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة"ومثل هذا الشخص هو البائع للدنيا بالآخرة، وحالة الشهيد توافق معنى قولك لا إله إلا الله، فإنه لا