فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 69

ثالثًا: قال ابن بطال -رحمه الله-: (فيه من الفقه: أن رسول الله كان يتمنى من أعمال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه حرصًا منه صلى الله عليه وسلم على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين، وبذلًا لنفسه في مرضات ربه وإعلاء كلمة دينه، ورغبة في الازدياد من ثواب ربه، ولتتأسى به أمته في ذلك، وقد يثاب المرء على نيته) اهـ.

رابعًا: وقال أيضًا: (وفيه: فضل الشهادة على سائر أعمال البر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع درجتها، وكرامة أهلها؛ لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وذلك -والله أعلم- لسماحة أنفسهم ببذل مهجتهم في مرضاة الله وإعزاز دينه، ومحاربة من حاده وعاداه، فجازاهم بأن عوضهم من فقد حياة الدنيا الفانية الحياة الدائمة في الدار الباقية) اهـ.

خامسًا: جاء في بعض ألفاظ الحديث في الصحيح وغيره: (لوددت أني أقاتل ... إلخ) بإثبات الألف من المقاتلة، فقال أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم وليُّ الدين العراقي في ذلك: (لم يتمن عليه الصلاة والسلام القتل في سبيل الله إلا بعد المقاتلة؛ ليكون منه عمل وإقامة للدين، وهو موافق لقوله تعالى"يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون") [طرح التثريب: 7/ 479] .

قلتُ: وهذا تنبيه لطيف ونكتةٌ بديعة يلزم التفطُّن لها، إذ ينبغي على المجاهد مع حرصه على الشهادة، واجتهاده في طلبها، والبحث عنها في مظانِّها، وترقُّبِ نيلها والفوز بها- أن يكون مجتهدًا في الأعمال الصالحة مستكثرًا منها مواظبًا عليها، لا سيما القتال ومستلزماته ومكملاته من تدريبٍ وإعدادٍ ونحو ذلك؛ ليجمع بين الازدياد من الطاعة والخير بأعماله والترقِّي في دَرَجِ الرُّتَب العليِّة بنيته وقصده، وليكمُل بما يحصله من خبرةٍ وتجربةٍ وممارسةٍ، فلا يكون حرصه على الشهادة، وشدة اشتياقه لها، واستعجاله في طلبها سببًا في قصور همته وفتورها، فكلّما دعي لعملٍ ينتفع وينفع به استثقله بدعوى أنه قريبٌ من الشهادة فما الفائدة مما يتعلمه أو يكتسبه أو يتفرّغ إليه؟!، وهذا بلا شك ناتج عن قصورٍ في الفهم، وركودٍ في التصور، إذ ما من عملٍ صالحٍ يقوم به -ولو كان قبل الشهادة بلحظةٍ- إلا وجده، وما يدريه فلعله يكون سببًا في دخوله الفردوس الأعلى، فلا تعارض إذًا بين الاجتهاد في طلب الشهادة واستعجال الظفر بها وبين الاستمرار في اكتساب الأعمال الصالحة أيًا كانت، فلا يَجْعل استعجاله لنيل الشهادة سببًا للزهد فيها (أي في الأعمال) ، ولا يجعل اجتهاده في الأعمال الصالحة مانعًا من الجد في طلبها (أي طلب الشهادة) بل يجمع بين هذا وذاك حتى يمنَّ الله بها عليه وهو على أكمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت