هو شهيد مغفور له [كل] ذنب إلا الدين، وغفران ذنب واحد يصح جعله ثمرة للجهاد فكيف بمغفرة جميع الذنوب إلا واحدا منها؟! فالقول بأن ثمرة الشهادة مغفرة جميع الذنوب ممنوعٌ، كما أن القول بأن عدم غفران ذنب واحد يمنع من الشهادة ويبطل ثمرة الجهاد ممنوع أيضا، وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بأذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببًا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان ... إلخ) [نيل الأوطار: 8/ 26] ، هذا ما قاله والسلامة لا يعدلها شيءٌ.
خامسًا: الحديث الأول سئل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن تكفير الشهادة للذنوب والخطايا فاستثنى منها الدين، والحديث الثاني قال فيه يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين، فالظاهر من سياق الكلام أن الدين الباقي في ذمة الشهيد هو ذنبٌ يحتاج إلى التكفير، فيكون المعنى إلا ذنبَ الدين، أو إلا خطيئة الدين، ومعلوم أن الدين هو مالٌ يأخذه المدين من الدائن صاحب المال بعلمه ورضاه ليصرفه في حاجته ويسقط بالأداء أو الإبراء، وهو مأذونٌ به في الجملة في الشرع وفيه أطول آية في كتاب الله تعالى فصلت أحكامه، فكيف يكون ذنبًا؟ وللعلماء طرقٌ في الجواب على ذلك يطول المقام بذكرها ويُخرجنا عن مقصود الرسالة ويضطرنا للدخول في التقريرات الفقهية، وإنما ذكرت هذا السؤال تنشيطا للقارئ على البحث، ولكن أنقل هنا اختصارا ما قاله السندي -رحمه الله-: ("إلا الدين"أي إلا تركَ وفاءِ الدين؛ إذ نفس الدين ليس من الذنوب، والظاهر أن ترك الوفاء ذنب إذا كان مع القدرة على الوفاء فلعله المراد ... ويمكن أن يقال إن هذا محمول على الدين الذي هو خطيئة وهو الذي استدانه صاحبه على وجه لا يجوز بأنْ أَخَذَه بحيلة أو غصبه فثبت في ذمته البدل، أو ادّان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس فيكون الدين المأذون فيه مسكوتا عنه في هذا الاستثناء فلا يلزم المؤاخذة به لجواز أن يعوض الله صاحبه من فضله) [حاشية السندي على النسائي:6/ 34] .