فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 403

غزوة مؤتة وتأمير الصحابة لخالد بن الوليد كما ذكرته في المسألة الرابعة من هذا الباب، فراجعها، وإليك أقوال العلماء في فقه هذا الحديث.

[قال ابن حجر: وفيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير ـ أي بغير نص من الإمام ـ، قال الطحاوي: (هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر) [1] . قال ابن حجر كذلك: قال ابن المنير: (يؤخذ من حديث الباب أن من تعين لولاية وتعذرت مراجعة الإمام أن الولاية تثبت لذلك المعين شرعا وتجب طاعته حكما) كذا قال، ولا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه] [2] .

وقال ابن قدامة الحنبلي: [فإذا عُدِم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع، قال القاضي ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر احتياطا للفروج، فإن بعث الإمام جيشا وأمَّرَ عليهم أميرا فقُتل أو مات، فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مُؤتة لَمَّا قُتِل أمراؤهم الذين أمّرهم النبي صلى الله عليه وسلم أمّروا عليهم خالد بن الوليد، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فرَضِيَ أَمْرهم وَصَوَّبَ رأيهم وسمي خالدا يومئذ"سيف الله"] [3] .

وهذا الحديث وما ورد في فقهه هو نص في موضع النزاع في هذه المسألة ويبين وجوب الإمارة على الجماعات القائمة بأمر الدين والجهاد، ولا حاجة بنا إلى القياس على حديث إمارة السفر، مع صحة هذا القياس كما سأذكره إن شاء الله تعالى.

وقد يقول قائل إن حديث مؤتة لا ينطبق على حالنا الآن، ففي مؤتة كان الإمام ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ غائبا، فلما رجعوا إليه صَوَّبَ صنيعهم. أما اليوم فلا إمام البتة. فلا تصح إمارة هذه الجماعات لافتقاد الإمام. ونحن نؤكد صحة ما ذهبنا إليه من الاستدلال بهذا الحديث. إذ إن العلة المشتركة بين الحالتين هي اجتماع طائفة من المسلمين على عمل مشترك وهو الجهاد بِمعزل عن الإمام، سواء كان الإمام غائبا أم معدوما، ففي كلا الحالين هو غائب عن صنيعهم، والمستفاد من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك وهو تقريره لفعلهم «السنة التقريرية» هو تشريع لا يستفاد من أحد بعده صلى الله عليه وسلم من إمام أو غيره. ونحن نحيل قائل هذا القول إلى كلام ابن المنير السابق حيث قال: (وتعذرت مراجعة الإمام) وهذا التعذر يشمل غياب الإمام أو عدمه، وكلام ابن قدامة أكثر وضوحا حيث قال: (فإن عُدِمَ الإمام لم يؤخر الجهاد ... الخ) .

ومقتضى قول هذا القائل أن الجهاد بأفغانستان أو بمثلها لا يجوز وباطل لأن الجماعات والأحزاب المقاتلة غير شرعية لعدم صحة الإمارة عليها. وهذا يقتضي أن من أقدم على هذا الجهاد تحت هذه الإمارات هو آثم، وأن المسلمين عليهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون ديارهم ونسائهم وأموالهم تُغتصب حتى ينزل عليهم إمام من السماء. فهل

(1) - فتح الباري ج 7 ص 513

(2) - فتح الباري ج 6 ص 180

(3) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 374

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت