فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 403

وهذا هو حالنا اليوم مسلمون مستضعفون لا عزة لهم إلا بالجهاد كما في حديث العينة، ومن مقتضيات الجهاد نصب الأمير، أما كيفية نَصْبِهِ في هذا الزمان فتكون باتفاق الجماعة عليه كما في حديث غزوة مؤتة، وحديث جابر بن عبد الله السابق «إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة» .

هـ= قال إمام الحرمين الجويني: [وإذا لم يصادف الناس قَوَّامًا بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يُؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد البلاد والعباد ـ إلى قوله ـ وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهي وذوي العقول والحجا، من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره فإنهم لو لم يفعلوا ذلك، ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عند إطلال الواقعات] [1] .

وعندما قدم التتار لغزو الشام وتأخر السلطان عن نصرة الشام رحل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بمصر ليستحثه على نجدة الشام، وقال للسلطان وأعوانه [إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن، ولم يزل بهم حتى جُرِّدَت العساكر إلى الشام، ثم قال لهم: لو قدر لكم أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم، وقَوَّى جأشهم وضمن لهم النصر هذه الكَرَّة، فخرجوا إلى الشام، فلما تواصلت العساكر إلى الشام فرح الناس فرحا شديدا بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم] [2] .

قلت: فاتفق الجويني وابن تيمية على أنه لو خلا بلد عن السلطان أقام الناس بأنفسهم من يلتزمون قوله وأمره. وهذا أيضا يتنزل في حق كل جماعة أو طائفة اتفقت على القيام بأمور الدين في غيبة إمام المسلمين.

وأما الوجه الثاني: وهو أن قياس إمارة الجماعات على إمارة السفر هو قياس صحيح للعلة المشتركة.

فنقول القياس هو إثبات حكم مثل حكم الأصل في الفرع بعلة متحدة [3] ، والأصل هو الواقعة التي ورد حكمها بالنص الشرعي، والفرع: التي لم يرد بحكمها نص شرعي، والعلة هي الوصف الظاهر المنضبط المناسب المتعدى الذي بُني عليه حكم الأصل وبتحقق هذا الوصف في الفرع يثبت له مثل حكم الأصل.

وفي موضوعنا: الأصل المنصوص على حكمه هو اجتماع ثلاثة على سفر، والحكم هو وجوب الإمارة (وجوب تأمير أحدهم عليهم) ، والفرع هو إمارة الجماعات، فهل علة حكم الأصل متحققه في الفرع حتى يثبت له نفس الحكم أم لا؟.

فالبحت الآن هو في: ما هي العلة في إمارة السفر؟ وهي التي لم يذكرها الأستاذ المؤلف.

والحق أن العلة ثابتة بالنص في نفس الحديث ولكنها مفتقرة إلى تنقيح المناط لتعدد الأوصاف المترتب عليها الحكم في الحديث. فيجب تحديد أي هذه الأوصاف هو المؤثر في الحكم؟.

والأوصاف التي انبنى عليها الحكم في حديث إمارة السفر، هي وصفان: السفر واجتماع ثلاثة من الناس على أمر جامع بينهم.

فإذا أثبتنا بالنص أن إمارة السفر لا تجب لما دون الثلاثة كما في سفر اثنين من الناس، فيكون الوصف المؤثر في الحكم هو العدد (الثلاثة) لوجود وصف السفر في سفر الإثنين وتخلف الحكم وهو وجوب الإمارة، فلو كان السفر هو العلة لوجب حكم الإمارة في سفر الإثنين، وبالتالي ندرك أن الحكم (الإمارة) مترتب على العدد (الثلاثة كحد أدنى) وليس على السفر.

فما هي النصوص التي وجد فيها سفر مادون الثلاثة ولم تجب فيها الإمارة؟

نقول منها ما روى البخاري في كتاب الجهاد - (باب سفر اثنين) ، عن مالك بن الحويرث قال: «انصرفت من عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لنا، أنا وصاحب لي، أذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما» [4] ، فهذا الحديث وجد فيه وصف السفر ولم يوجد فيه وصف العدد وهو الثلاثة، ولم يوجد فيه الحكم بالإمارة أي لم يُؤَمِّر الرسول صلى الله عليه وسلم أحدهما ولا أوكل هذا إليهما، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدل هذا على أن الإمارة كحكم مرتبطة بالعدد (الثلاثة كحد أدنى) وليست مرتبطة بالسفر.

ومما يدل على تعلق الإمارة بالعدد لا بالسفر قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأَمَّرَن على اثنين ولا تَولَّين مال يتيم» [5] ، فقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تأَمَّرَن على اثنين» يدل على أن الإمارة تجب على الثلاثة فصاعدا، وهذا يرجح أن وجوب الإمارة في حديث السفر متعلق بالعدد وليس بالسفر. قال صلى الله عليه وسلم «إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا» فالإمارة لا تجب إلا على ثلاثة فصاعدا. ويعضد هذا ـ وهو ارتباط الإمارة بالعدد وأقله ثلاثة ـ ما رواه البخاري عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قال: «وما أنا بالذي أقول لرجل ـ بعد أن يكون أميرا على رجلين ـ أنت خير، بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار بِرَحَاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله» [6] ، وأسامة - رضي الله عنه - كان ينفي بهذا تهمة المداهنة عن نفسه كما في شرح الحديث [7] ، والشاهد من كلامه قوله: «أقول لرجل بعد أن يكون أميرا على رجلين» فبيَّن أقل ما تجب فيه الإمارة، وهو ثلاثة، أمير وتابعان. كما أن اللغة تعضد ما ذهبنا إليه من تعلق الإمارة بالعدد وليس بالسفر، فقد

(1) - غياث الأمم ط 1401هـ تحقيق د. عبدالعظيم الديب ص 387ـ388

(2) - البداية والنهاية لابن كثير ج 14 ص 15، أحداث سنة 700هـ

(3) - شرح التلويح على التوضيح للتفتازاني ج 2 ص 52

(4) - حديث 2848

(5) - رواه مسلم

(6) - حديث 7098

(7) - فتح الباري ج 13 ص 51، 52

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت