قال الراغب الأصفهاني: [وقيل أَمِرَ القوم ـ بهمزة مفتوحة وميم مكسورة وراء مفتوحة ـ كَثُروا، وذلك لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير، من حيث أنهم لابد لهم من سائِس يسوسُهم، ولذلك قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سُراة لهم] [1] .
نتوصل مما سبق إلى حقيقتين:
إحداهما: أن إمارة السفر لا تجب لما دون الثلاثة، فلا تجب في سفر الاثنين، فالإمارة متعلقة بالعدد وليس بالسفر.
الثانية: أن أقل عدد تجب فيه الإمارة هو ثلاثة، لحديث أبي ذر «لا تأمرن على اثنين» ولحديث أسامة بن زيد «لرجل أن يكون أميرا على رجلين» وهذا العدد هو نفسه المذكور في حديث إمارة السفر. فهذه الإمارة متعلقة بالعدد لا بالسفر وهذا هو تنقيح المناط.
فإذا توصلنا أن العلة هي العدد أي اجتماع ثلاثة من الناس على أمر جامع بينهم فهذه العلة متحققة ولاشك في سائر الجماعات، فتقاس بذلك إمارة الجماعات على إمارة السفر.
فإن قيل: فما الحكمة من ذكر السفر في الحديث؟ فنقول إن المسافرين ينقطعون بالسفر عن نظر الإمام أو والي البلدة الذي يلي أمر المقيمين، فيجب على المسافرين أن يؤمروا منهم من يلي أمرهم، فالانقطاع عن نظر الإمام ـ بالسفر ونحوه ـ من دواعي نصب الأمير، وهذا يمكن أن يكون عِلَّة ثانية للحكم لولا أنه لم يستقل بالتعليل لوجود وصف الانقطاع عن نظر الإمام في سفر الاثنين مع تَخَلُّف الحكم بوجوب الإمارة. وعلى أي حال فإن هذا الوصف ـ وهو الانقطاع عن نظر الإمام لانعدامه الآن ـ هذا الوصف موجود بالنسبة للجماعة الإسلامية المعاصرة مما يزيد وجوب الإمارة عليهم توكيدا.
وأما الوجه الثالث: وهو أن هذا القياس صححه أكثر من مجتهد
فقد ذكرت في أول الباب مسألة أن الإمارة واجبة، ودلّلت على ذلك: ـ
1 = يقول الإمام الشوكاني، حيث استدل بحديث إمارة السفر على وجوب نصبة ولاية القضاء والإمارة وغيرها، ولم يذكر في هذا الباب حديثا غيره، وقد قاس هذه الولايات على إمارة السفر، فقال بعد أن ذكر روايات حديث إمارة السفر [وفيها دليل على أنه ُيشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف فَمَعَ عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه وبفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الإختلاف وتجتمع الكلمة وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى وفي ذلك دليل لقول من قال إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام] [2] .
(1) - (المفردات في غريب القرآن) للراغب مادة (أمر)
(2) - نيل الأوطار ج 9ص157