فذكر أن الحكم (وجوب الإمارة) مترتب على العدد حيث قال: (يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم) . وذكر الشوكاني أن هذا يجب على المقيمين من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
2 = وذكرت كذلك في أول الباب استدلال شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث إمارة السفر على وجوب الإمارة في سائر أنواع الاجتماع، فهو ينص بذلك على أن علة الإمارة هي اجتماع، وقد ذكر هذا في أكثر من موضع من فتاويه فقال في رسالة (الحسبة) [وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع. فإذا اجتمعوا فلابد لهم من أمور يفعلونها ويجتلبون بها المصلحة. وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة: ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا يد لهم من طاعة آمر وناه. ـ إلى أن قال ـ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى، ففي سنن أبي داود عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» وفي سننه أيضا عن أبي هريرة مثله. وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم» .
فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولي أحدهم: كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك] [1] .
وقال رحمه الله في رسالة (السياسة الشرعية) : [يجب أن يُعْرَف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» [2] .
وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم» فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع. ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم. وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة] [3] .
قلت: فانظر إلى قول شيخ الإسلام [فهو تنبيه على أنواع الاجتماع] وقد كرر هذا في سائر المواضع، فهو ينص على أن الإمارة للاجتماع لا لمجرد السفر.
(1) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 62 ـ 65
(2) - رواه أبوداود، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة.
(3) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 390