فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 403

وهذان مجتهدان (ابن تيمية والشوكاني) لا خلاف بين المسلمين على إمامتهما ومنزلتهما في العلم، قد نَصَّا على أن عِلة الإمارة هو الاجتماع وقاسا إمارة سائر أنواع الاجتماع على إمارة السفر. وأنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. بالإضافة إلى ما سبق فإن إيراد أبي داود لهذا الحديث في كتاب الجهاد من سننه فيه إشارة منه إلى ما ذهبنا إليه.

وبهذا نكون قد استكملنا الأوجه الثلاثة في الرد على الأول من اعتراضات مؤلف كتاب (البيعة) .

فائدة (في وجوب الجماعة لنصرة الدين في هذا الزمان)

ذكرت في أول كلامي في الرد على هذه الشبهة المتعلقة بالإمارة قولا أَوَدُّ أن أدَلِّل عليه، وهو قولي (إنه في غياب الحكم الإسلامي والخلافة لو اجتمعت طائفة من المسلمين على القيام بواجبات الدين، فهذا واجب في حد ذاته) انتهى.

وبيان ذلك أن الواجبات الشرعية كالجهاد والمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها لم يقم دليل على أنها تسقط عن المسلمين بانعدام الإمام، بل قد نبه ابن قدامة على هذا فقال: [فإن عُدِمَ الإمام لم يؤخر الجهاد] ، وهذه الواجبات كما قال ابن تيمية في كلامه المذكور أعلاه [لا تتم إلا بالقوة والإمارة] ، قلت: والقوة منها ا لجماعة، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [1] ، وقال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [2] ، وقد ورد الأمر بالجماعة صريحا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ بِالْجَمَاعَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ» [3] . ومع ذلك، فقد ذهب البعض إلى أن اجتماع المسلمين في جماعة للقيام بواجبات الدين في هذا الزمان ـ حيث لا إمام للمسلمين ـ ليس بواجب بل الواجب العزلة وأن يهتم المرء بشأن خاصته. وهذا القول يؤدي إلى اصطلام الإسلام وأهله. ولهم في قولهم هذا شبهة، حيث استدلوا بحديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - مرفوعا: «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال صلى الله عليه وسلم: فاعتزل تلك الفرق كلها» [4] .

قلت: والحديث بنصه كما يلي عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله إنّا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دَخَن، قلت: ومادَخَنُه؟ قال: قوم يهدون بغير هدى، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني

(1) - سورة آل عمران، الآية: 103

(2) - سورة الأنفال، الآية: 46

(3) - رواه أحمد والترمذي وصححه عن الحارث الأشعري.

(4) - متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت