ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» [1] .
والرد على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أنه كما يتضح من نص الحديث أن الفرق التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم باعتزالها هي فرق الضلالة المذكورة في قوله «دعاة على أبواب جنهم ... » ويدل على هذا: أ= اسم إشارة (تلك) عائد على مذكور قبله في النص. ب= الألف واللام في (الفرق) للعهد، وتدل على مذكور من قبل، معهود في الذهن، ولا يصح أن تكون للجنس وإلا دخلت في الفرقِ الفرقةُ الناجية وهذا باطل بالإجماع. ومن هذا ترى أن لفظ الفرق ـ المأمور باعتزالها ـ وإن كانت صيغة العموم إلا أنه من العام الذي يراد به الخصوص، فالفرق المشار إليها هي فرق الضلالة لا غير، كما وردت في رواية أخرى لنفس الحديث «ثم تنشأ دعاة الضلالة» [2] .
الوجه الثاني: وهو الذي نُنَبِّه عليه باستمرار أن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من نص واحد ـ إلا إذا لم يكن هناك غيره ـ ولكن تؤخذ من مجموع أدلة المسألة بالجمع بينها وبالتخصيص أو التقييد أو النسخ أو غير ذلك من أساليب جمع الأدلة. وفي هذه المسألة: نقول إن الاعتزال الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: «فاعتزل تلك الفرق» إن افترضنا جدلا أنه على عمومه ـ رغم انه من العام الذي يراد به الخصوص ـ فنقول إنه مُخَصَّص أيضا بعدة نصوص منها حديث الفرقة الناجية ومنها حديث الطائفة المنصورة.
أ = أما حديث الفرقة الناجية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، في الأهواء كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» [3] ، وفي رواية أخرى أن الناجية هي «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» [4] . فقوله صلى الله عليه وسلم ـ في حديث حذيفة ـ «دعاة على أبواب جنهم» هو نفس قوله صلى الله عليه وسلم ـ في حديث الفرق ـ «كلها في النار» ثم استثنى فقال صلى الله عليه وسلم: «إلا واحدة» وهذه الواحدة ـ وهي الناجية ـ مُخَصِّصة لعموم الاعتزال المأمور به أي اعتَزِلْ فرق الضلالة والتَزِمْ الفرقة الناجية التي منهجها «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ، وهي أيضا الجماعة لأن (الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) [5] . وسيأتي بيان منهج الفرقة الناجية في مسألة (أصول الاعتصام بالكتاب والسنة) في الإعداد الإيماني إن شاء الله تعالى.
ب = وأما حديث الطائفة المنصورة.
(1) - متفق عليه
(2) - رواه أحمد وأبوداود وإسناده حسن
(3) - رواه ابن أبي عاصم وغيره عن معاوية وصححه الألباني (كتاب السنة لابن أبي عاصم ـ حديث 2)
(4) - عن عبدالله بن عمرو وهو حديث حسن لغيره بشواهده
(5) - رواه ابن عساكر بسند صحيح عن ابن مسعود موقوفا