فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 403

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» [1] . وقال صلى الله عليه وسلم: «لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» [2] . وهو حديث مشهور بل متواتر كما ذكر ابن تيمية رحمه الله في (اقتضاء الصراط المستقيم) مروي عن خمسة عشر صحابيا وأخرجه أصحاب ا لكتب الستة والمعاجم والمسانيد وفي كتب السنة وسائر كتب السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين.

فهذه طائفة قائمة بأمر الدين تقاتل عليه، موعودة بالنصر والظهور، مُبَشَّرة بأنها لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، باقية بلا انقطاع من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخرها الدجال مع عيسى - عليه السلام -. فهل يأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين باعتزال هذه الطائفة القائمة بأمر الدين؟ ولذلك فنحن نقول إنه إذا حُمِلَ قوله صلى الله عليه وسلم: «فاعتزل تلك الفرق كلها» على العموم، فإنه مُخَصَّص لهذا الحديث كما أنه مُخَصَّص بحديث الفرقة الناجية، فإذا افترق الناس شيعا ـ في غيبة الإمام ـ فينظر المسلم أي الفرق تَتَّبِعُ منهج الفرقة الناجية وتقوم بحمل أمانة هذا الدين وتجاهد على ذلك فيلتزمها، خاصة وقد دلت النصوص التي وردت في مسألة (الغزو مع الأمير الفاجر) على أن الجهاد ماض لا ينقطع، وقال ابن قدامة [فإن عدم الإمام لا يؤخر الجهاد] فكيف يقوم الجاهد بلا جماعة؟

نعم قد قال ابن حجر في شرح حديث «فاعتزل تلك الفرق كلها» : [وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر] [3] . إلا أنني قلت من قبل إن حديث الطائفة المنصورة يخصص كثيرا من أحاديث الفتن، ومثال ذلك ما ذكره ابن حجر في باب (تَغَيُّر الزمان حتى تعبد الأوثان) قال: [قال ابن بطال: هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء، لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويبقى غريبا كما بدأ. ثم ذكر حديث «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق» الحديث، قال: فتبين في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى[4] .

ولذلك أقول إن حديث الطائفة المنصورة مُخَصِّص لحديث (فاعتزل تلك الفرق كلها) . ويمكن كذلك القول بأن الاعتزال ـ في الحديث ـ معلق على شرطين وهما: غياب الجماعة وغياب الإمام «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فاعتزل» وأنه إذا غاب الإمام ووُجِدت الجماعة بطل الاعتزال لأنه معلق على شرطين وليس شرطا واحدا. إلا أن هذا الاستنباط غير مستقيم، لأن الجماعة في حديث حذيفة يُقْصَد بها جماعة المسلمين التي هي في طاعة الإمام «تلزم

(1) - رواه مسلم عن معاوية

(2) - رواه مسلم عن جابر بن سَمُرة

(3) - فتح الباري ج 13 ص 37

(4) - فتح الباري ج 13/ص76، 77 وذكر مثل ذلك في ج 13ص19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت