جماعة المسلمين وإمامهم» وإذا غاب الإمام غابت ـ بالتبعية ـ الجماعة بهذا المعنى. فلا يستقيم هذا الاستنباط، والقول بأن حديث الطائفة المنصورة مخصص لحديث حذيفة أولى منه.
والمقصد من الكلام السابق هو أن المسلم مأمور باتّباع الحق، ومأمور باتباع إمام المسلمين إن وُجِدَ «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ، يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله، فإن لم يكن إمام للمسلمين. فما زال المسلم مأمورا باتباع الحق، وقد بَيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق، ففي غياب الإمام يجب على المسلم التزام هذه الطائفة القائمة بأمر الدين علما ودعوة وجهادا، وقد قال الله تعالى {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [1] .
قال ابن القيم رحمه الله [وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب الحوادث والبدع (حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا) لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل البدع بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأودي: َصحِبْت معاذا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ تأمرني بالجماعة وتحضني عليها. ثم تقول: صلي الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟ قال يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة: الذين فارقوا الجماعة. الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك) وفي طريق أخرى (فضرب على فخذي وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة. وإن الجماعة ما وافق طاعة الله - عز وجل -) ، قال نعيم بن حماد (يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ) .[2]
(تنبيه) : راجع معاني كلمة (الجماعة) على الإجمال في الباب الرابع (ص 162) .
(تنبيه) : من هم الطائفة المنصورة؟
ذهب أكثر السلف إلى أن الطائفة المنصورة هم العلماء وأهل الحديث كما قال البخاري وأحمد بن حنبل ولكن يُشكل عليهم قوله صلى الله عليه وسلم «هذا الدين قائما يقاتل عليه» وغيرها من الروايات التي تذكر صراحة أن القتال هو من خصائص هذه الطائفة كرواية جابر بن عبد الله وعمران بن حصين ويزيد بن الأصم عن معاوية وعقبة بن عامر. فلا يمكن الطائفة في العلماء فقط بل هم أهل العلم والجهاد، ولهذا فقد ذكر النووي أقوال البخاري وأحمد وغيرهم ثم قال [ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم مُحَدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون
(1) - سورة لقمان، الآية: 15
(2) - ذكره البيهقي وغيره. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (لابن القيم) ط دار الكتب العلمية 1407هـ ص 82، 83