متفرقين في أقطار الأرض [1] وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في فتواه بقتال التتار الناطقين بالشهادتين الحاكمين بغير شريعة الإسلام، قال إن أهل الجهاد من أحق الناس دخولا في الطائفة المنصورة حيث قال [أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما، فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولا في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة» وفي رواية لمسلم: «لا يزال أهل الغرب» ] . [2]
ولا شك أن العلماء العاملين هم أول الناس دخولا في هذه الطائفة وبقية الناس من المجاهدين وغيرهم تبع لهم.
والذي حدا بالسلف إلى القول بأن الطائفة هم العلماء هو أن الجهاد لم يكن عليه خلاف بين المسلمين، وكانت الثغور مشحونة بالجند والجيوش موجهة إلى ديار الحرب، وكان أكثر ما يخل بالدين في زمانهم هي البدع والضلالات الكبرى وفرسان هذا الميدان هم العلماء.
أما نحن اليوم فبحاجة إلى جهود العلماء والمجاهدين كل في ميدانه. فالدين لا يقوم بالعلم وحده ولا بالجهاد وحده بل بهما معا كما قال تعالى في آية الحديد {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [3] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد، كتاب يهدي به وحديد ينصره، كما قال تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا .. الآية} فالكتاب به يقوم العلم والدين، والميزان به تقوم الحقوق قي العقود المالية والقبوض، والحديد به تقوم الحدود[4] ، وقال أيضا: وسيوف المسلمين تنصر هذا الشرع وهو الكتاب والسنة، كما قال جابر بن عبد الله (أمرنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا ـ يعني السيف ـ من خرج عن هذا ـ يعني المصحف ـ) [5] ، وقال أيضا: فإن قوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر كما ذكره الله تعالى [6] .
قلت ولذلك يمكن القول الطائفة المنصورة هي الطائفة المجاهدة المتبعة للمنهج الشرعي المستقيم، منهج أهل السنة والجماعة، وسأذكر معالم هذا المنهج ـ إن شاء الله تعالى ـ في مسألة (أصول الإعتصام بالكتاب والسنة) .
(تنبيه) هل الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة؟
ورد في معظم كتب العقيدة أن الفرقة الناجية (أهل السنة والجماعة) هي الطائفة المنصورة [على سبيل المثال: انظر الباب الأخير من العقيدة الواسطية لابن تيمية، وكذلك مقدمة كتاب معارج القبول لحافظ حكمي، وغيرها] ، والذي يترجح عندي أن الفرقة والطائفة ليستا مترادفتين، وأن الطائفة جزء من الفرقة، فالطائفة المنصورة هي الجزء أو البعض القائم بنصرة الدين علما وجهادا من الفرقة الناجية التي هي على المنهج والاعتقاد الصحيح، وتفريعا من ذلك نقول أيضا إن المجدد هو أحد أفراد الطائفة المنصورة الذي قام بأهم واجبات الدين في زمنه، على قول الجمهور بأن المجدد فرد واحد. ودليلي في هذا ما يلي:
1 = قول الله تعالى {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [7] فهذه الآية فَرَّقت بين الفرقة والطائفة، وبينت أن الطائفة جزء من الفرقة، وأنها هي الجزء القائم بالعلم والجهاد من الفرقة. كما في تفسير هذه الآية (راجع ابن كثير) .
2 = العلم والجهاد، وهما أهم صفات الطائفة المنصورة، أصل مشروعيتهما أنهما من فروض الكفاية، يجب على البعض دون الكل من أبناء الأمة القيام بهما، وهذا البعض القائم بالعلم والجهاد من الأمة هم الطائفة المنصورة.
3 = وقول أئمة الحديث كالبخاري وأحمد، إن الطائفة هم أهل الحديث أو أهل العلم كما بَوَّب البخاري على هذا في كتاب الاعتصام من صحيحه، مشعر بهذا الفرق، فإنه ليس كل من كان من أهل السنة (الفرقة الناجية) فهو من أهل الحديث. أما ما نقله النووي عن الطائفة [قال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث] فقول القاضي عياض إن أهل الحديث أي أهل السنة جميعا، لا يستقيم، إلا أن يقال بالتبعية وهو ما أشار إليه بقوله (ومن يعتقد مذهب أهل الحديث) فإن العامة ينبغي أن يكونوا تبعا لعلمائهم، فالعلماء هم من أولي الأمر المذكورين في قوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [8] ، وأوضح من ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [9] ، ففي هذه الآية سمى الله تعالى العلماء (وهم الذين يستنبطونه) سماهم أولي الأمر، وهذا نص في كون العلماء من أولي الأمر وفيه إشارة إلى وجوب تسويدهم، كما وردت الإشارة إلى ذلك ـ أيضا ـ في حديث قبض العلم. فالعامة تبع للعلماء، قال تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [10] وأهل السنة والجماعة تبع لعلمائهم الذين هم الطائفة المنصورة القائمة في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا قيل إن أهل السنة (الفرقة الناجية) هم الطائفة المنصورة أي بالتبعية وإلا فإن الطائفة أخص من الفرقة. والله تعالى أعلم.
والمقصد من هذا أن يسعى كل مسلم لأن يكون من هذه الطائفة المنصورة القائمة بنصرة الدين بالعلم والدعوة والجهاد، قال تعالى {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ} [11] ، قلت: ومع ذلك فإن الطائفة قد تكون هي الفرقة
(1) - صحيح مسلم بشرح النووي ج 13 ص 67
(2) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 531.
(3) - سورة الحديد، الآية: 25
(4) - مجموع الفتاوى ج 35 ص 36
(5) - مجموع الفتاوى ج 25 ص 365.
(6) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 396. وغيرها من المواضع.
(7) - سورة التوبة، الآية:122
(8) - سورة النساء، الآية: 59
(9) - سورة النساء، الآية: 83
(10) - سورة الإسراء، الآية: 71
(11) - سورة المطففين، الآية: 26